(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:(لَا تُنْزِلُنَّ) : بِضَمِّ التَّاءِ وَاللَّامِ (بُرْمَتَكُمْ وَلَا تَخْبِزُنَّ) : بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَضَمِّ الزَّايِ (عَجِينَتُكُمْ حَتَّى أَجِيءَ) أَيْ: إِلَى بَيْتِكُمْ (وَجَاءَ فَأَخْرَجْتُ لَهُ) أَيْ: أَنَا وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْوَاحِدَةِ (عَجِينًا) . أَيْ: قِطْعَةً مِنَ الْعَجِينِ (فَبَصَقَ فِيهِ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: هُوَ بِالصَّادِّ فِي أَكْثَرِ الْأُصُولِ، وَفِي بَعْضِهَا بِالسِّينِ وَهِيَ لُغَةٌ قَلِيلَةٌ اهـ. وَالْمَعْنَى رَمَى بِالْبُزَاقِ فِيهِ (وَبَارَكَ) ، أَيْ: دَعَا بِالْبَرَكَةِ فِيهِ (ثُمَّ عَمَدَ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ: قَصَدَ (إِلَى بُرْمَتِنَا فَبَصَقَ) أَيْ: فِيهَا كَمَا فِي نُسْخَةٍ (وَبَارَكَ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي) : بِهَمْزِ وَصْلٍ مَضْمُومٍ وَكَسْرِ عَيْنٍ أَمْرُ مُخَاطَبَةٍ مِنْ دَعَا يَدْعُو أَيِ: اطْلُبِي (خَابِزَةً) : قَالَ النَّوَوِيُّ: جَاءَ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ ادْعِي عَلَى خِطَابِ الْمُؤَنَّثِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ الظَّاهِرُ، وَلِهَذَا قَالَ: (فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ) : يَعْنِي لِرِوَايَتِهِ كَسْرَ الْكَافِ، وَفِي بَعْضِهَا ادْعُوا بِالْوَاوِ أَيِ: اطْلُبُوا وَفِي بَعْضِهَا ادْعُ (وَاقْدَحِي) : بِفَتْحِ الدَّالِ أَيِ: اغْرِفِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ. قَالَ الْتُورِبِشْتِيُّ يُقَالُ: قَدَحَتِ الْمَرَقَ أَيْ: غَرَفَتْهُ، وَمِنْهُ الْمَقْدَحُ وَهُوَ الْمِغْرَفَةُ سَلَكَ بِالْخِطَابِ مَسْلَكَ التَّلْوِينِ فَخَاطَبَ بِهِ رَبَّةَ الْبَيْتِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّهُ فِي نُسْخَتِهِ فَلْتَخْبِزْ مَعِي بِالْإِضَافَةِ.
إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ كَمَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، فَحَمَلَهُ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ كَلَامِ النَّوَوِيِّ أَنَّ مَعِي لَمْ تَرِدْ فِي رِوَايَةٍ، وَإِذَا ذَهَبَ إِلَى ادْعِي فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ لَمْ يَكُنْ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ فِي شَيْءٍ اهـ. وَهُوَ غَرِيبٌ مِنْهُ إِذْ مُرَادُ الشَّيْخِ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - خَاطَبَهُمْ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ: لَا تُنْزِلُنَّ وَلَا تَخْبِزُنَّ، ثُمَّ قَالَ: ادْعِي فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ، ثُمَّ قَالَ: وَاقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْإِفْرَادِ وَالْجَمْعِ ثُمَّ قَالَ: (وَلَا تُنْزِلُوهَا) : بِصِيغَةِ الْجَمْعِ الْمُذَكَّرِ عَلَى طَرِيقِ الْأَوَّلِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ، فَأَيُّ تَلْوِينٍ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا؟ مَعَ أَنَّ فِي الِالْتِفَاتِ إِلَيْهَا بِالْأَمْرِ الْخَاصِّ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهَا رَبَّةُ الْبَيْتِ غَيْرُ خَارِجَةٍ عَنْ سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ فِي الْمَقَامِ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ وَالتَّحْرِيرِ تَبَيَّنَ لَكَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِهِ: فَلْتَخْبِزْ مَعَكِ أَوْ مَعِي فِي تَلْوِينِ الْكَلَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ الْمَرَامِ. (قَالَ جَابِرٌ: وَهُمْ) أَيْ: عَدَدُ أَصْحَابِهِ - صلى الله عليه وسلم - (أَلْفٌ) أَيْ: أَلْفُ رَجُلٍ أَكَّالٍ فِي جُوعِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالٍ (فَأَقْسَمَ بِاللَّهِ لَأَكَلُوا) أَيْ: مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ (حَتَّى تَرَكُوهُ) أَيْ: مُنْفَصِلًا (وَانْحَرَفُوا) ، أَيْ: وَانْصَرَفُوا (وَإِنَّ بُرْمَتَنَا لِتَغِطُّ) : بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ: لَتَفُورَ وَتَغْلِيَ وَيُسْمَعُ غَلَيَانُهَا (كَمَا هِيَ) ، أَيْ: مُمْتَلِئَةٌ عَلَى هَيْئَةِ الْأُولَى، فَخَبَرُ هِيَ مَحْذُوفٌ، وَالْمَعْنَى تَغْلِي غَلَيَانًا مِثْلَ غَلَيَانِ هِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: مَا: كَافَّةٌ وَهِيَ مُصَحِّحَةٌ لِدُخُولِ الْكَافِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَهِيَ مُبْتَدَأٌ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ أَيْ: كَمَا هِيَ قَبْلَ ذَلِكَ، (وَإِنَّ عَجِينَنَا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ) . أَيْ: كَمَا هُوَ فِي الصَّحْفَةِ كَأَنَّهُ مَا نَقَصَ مِنْهُ شَيْءٌ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِمِثْلِ هَذَا مِنْ تَكْثِيرِ طَعَامِ الْقَلِيلِ، وَنَبْعِ الْمَاءِ وَتَكْثِيرِهِ، وَتَسْبِيحِ الطَّعَامِ، وَحَنِينِ الْجِذْعِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ حَتَّى صَارَ مَجْمُوعُهَا بِمَنْزِلَةِ التَّوَاتُرِ، وَحَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ بِهِ، وَقَدْ جَمَعَ الْعُلَمَاءُ أَعْلَامًا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ فِي كُتُبِهِمْ كَالْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ، وَصَاحِبِهِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيِّ، وَأَبِي