، أَيْ: يَتْرُكُهُمْ (وَسُيُوفُنَا تَقْطُرُ مِنْ دِمَائِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"إِنِّي أُعْطِي") ، أَيْ: مِنْ هَذَا الْمَالِ ("رِجَالًا حَدِيثِي عَهْدٍ بِكُفْرٍ أَتَأَلَّفُهُمْ") ، أَيْ: أَطْلُبُ أُلْفَتَهُمْ بِالْإِسْلَامِ بِإِعْطَاءِ الْمَالِ لَا لِكَوْنِهِمْ مِنْ قُرَيْشٍ أَوْ لِغَرَضٍ آخَرَ مِنَ الْأَحْوَالِ ("أَمَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ") ، أَيْ: غَيْرُكُمْ مِنَ الْمُتَأَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ("بِالْأَمْوَالِ وَتَرْجِعُونَ إِلَى رِحَالِكُمْ") بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: مَنَازِلِكُمْ فِي الْمَدِينَةِ ("بِرَسُولِ اللَّهِ") وَفِي نُسْخَةٍ - صلى الله عليه وسلم - (قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ رَضِينَا) . فِيهِ تَأْكِيدٌ لِمَا فُهِمَ مِنْ بَلَى، وَمَا أَحْسَنَ مَنْ قَالَ مِنْ أَرْبَابِ الذَّوْقِ وَالْحَالِ:
رَضِينَا قِسْمَةَ الْجَبَّارِ فِينَا ... لَنَا عِلْمٌ وَلِلْأَعْدَاءِ مَالُ
فَإِنَّ الْمَالَ يَفْنَى عَنْ قَرِيبٍ ... وَإِنَّ الْعِلْمَ يَبْقَى لَا يَزَالُ. [1]
من فوائد الحديث:
1 -إقامة الحجة على الخصم وإفحامه بالحق عند الحاجة إليه.
2 -أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجتمع الأنصار في مكان واحد ولم يدع معهم أحدًا، ولعل من الحكمة في ذلك لما أراد أن يبين لهم من فضلهم وإيمانهم، ومحبته لهم، وما سيقع لهم مما لا يشركهم فيه غيرهم.
3 -حسن أدب الأنصار في تركهم المماراة، والمبالغة في الحياء، وبيان أن الذي نقل عنهم إنما كان عن شبانهم لا عن شيوخهم وكهولهم.
4 -فيه مناقب عظيمة للأنصار لما اشتمل من ثناء الرسول - صلى الله عليه وسلم - البالغ عليهم.
5 -أن الكبير ينبه الصغير على ما يغفل عنه، ويوضح له وجه الشبهة ليرجع إلى الحق.
6 -فيه المعاتبة واستعطاف المعاتب وإعتابه عن عتبه بإقامة حجة من عتب عليه، والاعتذار والاعتراف، حيث بين - صلى الله عليه وسلم - عنهم بلسانه عن فضلهم عليه فقال عليه الصلاة و السلام (أما ولله لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم آتيتنا مكذبًا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك, وعائلًا فآسيناك) .
7 -فيه علم من أعلام النبوة لقوله:"ستلقون بعدي أثرة"فكان كما قال.
8 -أن للإمام تفضيل بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأن له أن يعطي الغني منه للمصلحة.
9 -أن من طلب حقه من الدنيا لا عتب عليه في ذلك.
10 -كمال خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقديره لما يعتري النفوس من ضعف، وتطلع للدنيا، حيث بين لهم - صلى الله عليه وسلم - أسباب تفضيل غيرهم عليهم في العطاء، كما بين لهم ما خصهم الله تعالى به من التوفيق للنصرة، ومن محبته لهم، وإيثاره لهم على من سواهم، فسكنت نفوسهم، ورضوا بما قسم الله لهم.
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 4007)