أَصْحَابُهُ ثُمَّ، قَالَ: «أَمْسِكُوا» ثُمَّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ: «هَلْ سَمَمْتِ هَذِهِ الشَّاةَ؟» قَالَتْ: مَنْ أَخْبَرَكَ هَذَا؟ قَالَ: «هَذَا الْعَظْمُ لِسَاقِهَا» وَهُوَ فِي يَدِهِ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: «لِمَ؟» قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْكَ النَّاسُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ، قَالَ: فَاحْتَجَمَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى الْكَاهِلِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَاحْتَجَمُوا فَمَاتَ بَعْضُهُمْ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَأَسْلَمَتْ، فَتَرَكَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -. قَالَ مَعْمَرٌ: وَأَمَّا النَّاسُ فَيَقُولُونَ قَتَلَهَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -. [1]
شرح المفردات:
(اخسئوا فيها) اخسأ: كلمة زجر معناها ابق ذليلا، هو زجر لهم بالطرد والإبعاد، أو دعاء عليهم بذلك.
(تخلفوننا) تأتون بعدنا وتمكثون. [2]
المعنى العام:
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ» ) : بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا وَتُكْسَرُ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: اجْمَعُوا لِي) ، أَيْ: لِأَجْلِي، وَفِي نُسْخَةٍ إِلَيَّ أَيْ مُنْتَهِينَ إِلَيَّ، أَوِ اجْعَلُوا مُجْتَمِعِينَ عِنْدِي (مَنْ كَانَ هَاهُنَا) ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَكَانِ (مِنَ الْيَهُودِ) فَجُمِعُوا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ) ، أَيْ أَوَّلًا (فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ) ، بِتَشْدِيدِ الدَّالِ وَالْيَاءِ أَيْ: مُصَدِّقُونِي فِي الْإِخْبَارِ (عَنْهُ) ، أَيْ ثَانِيًا. قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ فِي أَصْلِ الْمَالِكِيِّ: صَادِقُونِي بِالتَّحْقِيقِ. قَالَ: كَذَا فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ، فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ دُخُولُ نُونِ الْوِقَايَةِ فِي الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُضَافَةِ إِلَى يَاءِ الْمُتَكَلِّمِ لِتَقِيَهَا عَنْ خَفَاءِ الْإِعْرَابِ، فَلَمَّا مَنَعُوهَا ذَلِكَ صَارَ الْأَصْلُ مَتْرُوكًا فَنَبَّهُوا عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَسْمَاءِ الْمُعْرَبَةِ الْمُشَابِهَةِ لِلْفِعْلِ، (قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَبُوكُمْ) ؟ أَيْ جَدُّكُمْ (قَالُوا: فُلَانٌ) ، أَيْ: بِطَرِيقِ الْكَذِبِ عَلَى وَجْهِ الِامْتِحَانِ (قَالَ: كَذَبْتُمْ بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ. قَالُوا: صَدَقْتَ وَبَرِرْتَ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ: أَحْسَنْتَ (قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ) أَيْ: ثُمَّ أَخْبَرَتْكُمْ بِهِ (قَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَذَبْنَاكَ) ، أَيْ: فِي قَوْلِنَا هَذَا (عَرَفْتَ كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ: مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟ قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا) ، أَيْ: زَمَانًا قَلِيلًا، كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً} [البقرة: 80] (ثُمَّ تَخْلُفُونَا) : بِضَمِّ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَتُخَفَّفُ أَيْ: تَعْقُبُونَنَا (فِيهَا) . وَهَذَا عَلَى زَعْمِهِمُ الْفَاسِدِ، وَاعْتِقَادِهِمُ الْكَاسِدِ أَنَّهُ قَوْلُ صِدْقٍ وَخَبَرُ حَقٍّ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: اخْسَئُوا فِيهَا) : إِشَارَةً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونَ} [المؤمنون: 108] وَهُوَ الْأَصْلُ زَجْرُ الْكَلْبِ، فَالْمَعْنَى اسْكُتُوا فِي سُكُوتِ هَوَانٍ، فَإِنَّكُمْ كَاذِبُونَ فِي أَخْبَارِكُمْ (وَاللَّهِ لَا
(1) - دلائل النبوة للبيهقي مخرجا (4/ 260) صحيح مرسل
(2) - جامع الأصول (11/ 327) وفتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 246)