فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 451

نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا). ثُمَّ قَالَ: (هَلْ أَنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ فِي شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا) ، أَيْ: فِي دَعْوَى رِسَالَتِكَ (أَنْ نَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ) . بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَفْتُوحَةِ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا، وَلَوْ رُوِيَ بِكَسْرِ الضَّادِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُخَفَّفَةِ لَجَازَ، كَمَا قُرِئَ بِالْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا} [آل عمران: 120] فِي آلِ عِمْرَانَ، قَالَ الطِّيبِيُّ: فِي قَوْلِهِ: أَنْ نَسْتَرِيحَ مَفْعُولٌ لَأَرَدْنَا وَجَزَاءُ الشَّرْطِ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ مَحْذُوفٌ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ أَيْ: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا فَنَسْتَرِيحُ مِنْكَ، وَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا لَمْ يَضُرَّكَ، فَنَنْتَفِعُ بِهِدَايَتِكَ، وَحَاصِلُهُ أَرَدْنَا الِامْتِحَانَ، يَعْنِي فَإِمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّكَ كَاذِبٌ فَنَسْتَرِيحَ مِنْكَ، وَإِمَّا أَنْ نَعْلَمَ أَنَّكَ نَبِيٌّ فَنَتَّبِعَكَ، وَفِيهِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ مِنْ فَحْوَاهُمْ أَنَّهُمْ كَاذِبُونَ فِي دَعْوَاهُمْ، فَثَبَتَ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ بِظُهُورِ الْمُعْجِزَةِ السَّابِغَةِ .. [1]

من فوائد الحديث [2] :

1 -قبوله - صلى الله عليه وسلم - للهديّة مع أنه لا يأخذ الصدقة ولا تحلّ له، فللهديّة أحكام تختلف عن الصدقة.

2 -جواز أخذ الهديّة من اليهود، وأكل ذبائحهم.

3 -اطلاع الله تعالى لنبيّه - صلى الله عليه وسلم - على الأمور الخفيّة والغيبيّة.

4 -تكلم الذراع مع نبي الله - صلى الله عليه وسلم - كما في بعض روايات الحديث، إعجاز يدلّ على صدق نبوّته - صلى الله عليه وسلم -.

5 -معاندة اليهود لاعترافهم بصدقه - صلى الله عليه وسلم - فيما أخبر به عن اسم أبيهم، وبما وقع منهم من دسيسة السم، ومع ذلك عاندوا واستمروا على تكذيبه.

6 -علوّ نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -، وعظم حلمه، واتساع صبره، وتَوْق نفسه للعفو والصفح؛ حيث أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ينتقم لنفسه، فلم يتعرض للمرأة ولم يعاقبها.

7 -حفظ الله عز وجل لدينه ولنبيه؛ فقد افتُضح سرّ اليهود وخابت مساعيهم، فعاش النبي - صلى الله عليه وسلم - وقاد الجيوش، وفتح البلدان، وحج وخطب ووعظ، وأرشد ونصح وهدى، ولم يكن مراد الأعداء مانعًا لمراد الله -جلّ وعلا-.

8 -أن الأشياء - كالسموم ونحوها- لا تؤثّر بذاتها؛ فبشر بن البراء رضي الله عنه مات من السمّ، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعتريه المرض من تلك الأكلة ولم يمت، بل عاش بعدها دهرًا عليه الصلاة والسلام.

9 -اختلف العلماء فيما فعل - صلى الله عليه وسلم - باليهودية فروي إنه صفح عنها، وروي إنه قتلها. قال العلماء: وجه الجمع بين هذه الروايات والأقاويل أنه لم يقتلها حين أطلعه الله على ما صنعت، ووقاه شرها، فقد

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3828) ومنار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (4/ 137)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت