فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 451

قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا: اشْتَرَكَ هَذَانِ الرَّجُلَانِ فِي جِرَاحَتِهِ لَكِنَّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرٍو أَثْخَنَهُ أَوَّلًا، فَاسْتَحَقَّ السَّلَبَ، وَإِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"كِلَاكُمَا قَتَلَهُ"تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْآخَرِ مِنْ حَيْثُ إِنَّ لَهُ مُشَارَكَةً فِي قَتْلِهِ، وَإِلَّا فَالْقَتْلُ الشَّرْعِيُّ يَتَعَلَّقُ بِهِ اسْتِحْقَاقُ السَّلَبِ وَهُوَ الْإِثْخَانُ وَإِخْرَاجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْ مُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو، فَلِهَذَا قَضَى لَهُ بِالسَّلَبِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ السَّيْفَيْنِ لِيَسْتَدِلَّ بِهِمَا عَلَى حَقِيقَةِ كَيْفِيَّةِ قَتْلِهِمَا، فَعَلِمَ أَنَّ ابْنَ الْجَمُوحِ أَثْخَنَهُ، ثُمَّ شَارَكَهُ الثَّانِي بَعْدَ ذَلِكَ، وَبَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ السَّلَبَ. وَقَالَ أَصْحَابُ مَالِكٍ إِنَّمَا أَعْطَاهُ لِأَحَدِهِمَا ; لِأَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي السَّلَبِ يُنَفِّلُ فِيهِ مَا شَاءَ، وَذُكِرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ: أَنَّ الَّذِي ضَرَبَهُ ابْنُ عَفْرَاءَ، وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ ابْنَيْ عَفْرَاءَ ضَرْبَاهُ حَتَّى بَرَدَ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ هُوَ الَّذِي أَجْهَزَ وَأَخَذَ رَأْسَهُ. قَالَ الشَّيْخُ: يُحْمَلُ هَذَا عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَةَ اشْتَرَكُوا فِي قَتْلِهِ، فَكَانَ إِثْخَانُهُ مِنْ مُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ، وَجَاءَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ رَمَقٌ فَحَزَّ رَأْسَهُ، وَفِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ الْمُبَادَرَةُ إِلَى الْحَرْبِ وَالْغَضَبُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَقِرَ أَحَدًا لِصِغَرِهِ وَنَحَافَةِ جِسْمِهِ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ أَمْرٌ خَطِيرٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ السَّلَبَ بِقَوْلِهِ: بِلَا بَيِّنَةٍ. وَالْجَوَابُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - لَعَلَّهُ عَرِفَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا اهـ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا تَنْفِيلٌ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - وَلِذَا أَعْطَى سَيْفَ أَبِي جَهْلٍ لِابْنِ مَسْعُودٍ، وَلَمْ يُعْطِ لِابْنِ عَفْرَاءَ شَيْئًا. [1]

من فوائد الحديث:

1 -المبادرة إلى الخيرات والاشتياق إلى الفضائل كما جرى من هذين الشابين رضي الله عنهما.

2 -شجاعة الصحابة رضي الله عنهم صغارهم وكبارهم.

3 -الغضب لله ولرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وعظم محبة الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -.

4 -أنه ينبغي أن لا يحتقر أحدٌ فقد يكون بعض من يستصغر عن القيام بأمر أكبر مما في النفوس وأحق بذلك الأمر كما جرى لهذين الغلامين.

5 -احتج بهذا الحديث طوائف من أهل العلم فقالوا باستحقاق القاتل السلب.

6 -قال النووي- رحمه الله-: اختلف العلماء في معنى هذا الحديث فقال أصحابنا: اشترك هذان الرجلان في جراحته لكن معاذ بن عمرو بن الجموح اثخنه أولًا فاستحق السلب، وإنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: كلا كما قتله تطييبا لقلب الآخر من حيث أن له مشاركة في قتله.

7 -سوء عاقبة الكفر والصد عن سبيل الله، كما جرى لأبي جهل -فرعون هذه الأمة- الذي أذله الله وأهلكه في الدنيا مع ما أعده له من العقوبة والخزي في الآخرة. [2]

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2597)

(2) - شرح النووي على مسلم (12/ 63) وفتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 248)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت