(فجا) أي طريقا واسعا، وقوله"قط"تأكيد للنفي.
المعنى العام:
(وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَعِنْدَهُ نِسْوَةٌ) ، أَيْ جَمَاعَةٌ مِنَ النِّسَاءِ (مِنْ قُرَيْشٍ) ، قَالَ الْقَسْطَلَانِيُّ: هُنَّ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وَغَيْرُهُنَّ. وَقَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ، أَيْ: نِسْوَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُنَّ مَعَهُنَّ غَيْرُهُنَّ لَكِنَّ قَرِينَةَ قَوْلِهِ: (يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ) ، تُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ أَيْ يَسْتَكْثِرْنَهُ فِي الْكَلَامِ، وَلَا يُرَاعِينَ مَقَامَ الِاحْتِشَامِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ، أَيْ: يَطْلُبْنَ مِنْهُ النَّفَقَاتِ الْكَثِيرَةَ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَسْأَلْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ (عَالِيَةً) : بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ. وَقَالَ السُّيُوطِيُّ: أَوْ بِالرَّفْعِ عَلَى الْوَصْفِ اه. وَفِي رِوَايَةٍ: رَافِعَاتٍ (أَصْوَاتُهُنَّ) ، بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ. وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ رَفْعِ الصَّوْتِ فَوْقَ صَوْتِهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عُلُوَّ أَصْوَاتِهِنَّ إِنَّمَا كَانَ لِاجْتِمَاعِهِنَّ فِي الصَّوْتِ، لَا أَنَّ كَلَامَ كُلِّ وَاحِدٍ بِانْفِرَادِهِ أَعْلَى مِنْ صَوْتِهِ - صلى الله عليه وسلم -. أَقُولُ: لَيْسَ فِي الْكَلَامِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَفْعَ أَصْوَاتِهِنَّ كَانَ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - لِيُرَدَّ الْإِشْكَالُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} [الحجرات: 2] الْآيَةَ. بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُنَّ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى خِلَافِ عَادَتِهِنَّ مِنَ الْخَفْضِ وَرَفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ فِي كَلَامِهِنَّ مَعَهُ - صلى الله عليه وسلم - اعْتِمَادًا عَلَى حُسْنِ خُلُقِهِ - صلى الله عليه وسلم -. (فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ) : وَالْحَالُ أَنَّهُ مِنَ الْأَجَانِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَكْثَرِهِنَّ، لَاسِيَّمَا وَهُوَ غَيُورٌ غَضُوبٌ غَالِبٌ عَلَيْهِ الصِّفَةُ الْجَلَالِيَّةُ (قُمْنَ) أَيْ: مِنْ مَكَانِهِنَّ (فَبَادَرْنَ بِالْحِجَابِ) ، أَيْ سَارَعْنَ إِلَى حِجَابِهِنَّ عَلَى مُقْتَضَى آدَابِهِنَّ (فَدَخَلَ عُمَرُ وَرَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَضْحَكُ) ، أَيْ يَتَبَسَّمُ. وَمِنَ الْغَرِيبِ أَنَّ عُمَرَ مَعَ غَلَبَةِ قَهْرِهِ وَشِدَّةِ سَطْوَتِهِ كَانَ مُظْهِرًا لِبَسْطِهِ - صلى الله عليه وسلم - (فَقَالَ) أَيْ: عُمَرُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ (أَضْحَكَ اللَّهُ سِنَّكَ) : وَفِي رِوَايَةٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيْ أَدَامَ اللَّهُ فَرَجَكَ الْمُوجِبَ لِبُرُوزِ سِنِّكَ وَظُهُورِ نُورِكَ، لَكِنْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ سَبَبٍ وَظُهُورِ أَمْرٍ عَجِيبٍ، فَأَطْلِعْنِي عَلَيْهِ وَشَرِّفْنِي بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ (قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:(عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي) ، أَيْ فِي حَالَةٍ غَرِيبَةٍ وَمَقَالَةٍ عَجِيبَةٍ (فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ) أَيْ: بِالْإِذْنِ (ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ) . أَيْ بِالِانْتِقَالِ مِنْ مَكَانِهِنَّ وَإِخْفَاءِ حَالِهِنَّ وَشَأْنِهِنَّ خَوْفًا مِنْكَ وَهَيْبَةً لَكَ (قَالَ عُمَرُ) أَيْ: خِطَابًا لَهُنَّ (يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ! أَتَهَبْنَنِي) : بِفَتْحِ الْهَاءِ، يُقَالُ: هِبْتُ الرَّجُلَ بِكَسْرِ الْهَاءِ إِذَا وَقَّرْتُهُ وَعَظَّمْتُهُ مِنَ الْهَيْبَةِ أَيْ أَتُوَقِّرْنَنِي (وَلَا تَهَبْنَ) أَيْ: وَلَا تُعَظِّمْنَ (رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ فَقُلْنَ: نَعَمْ) ، هَذَا غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَى مَجْمُوعِ قَوْلِ عُمَرَ بَلْ إِلَى قَوْلِهِ: أَتُوَقِّرْنَنِي فَقَطْ، وَإِلَّا فَيَشْكُلُ كَمَا لَا يَخْفَى، وَلَا يَعْبُدُ أَنْ يَكُونَ نَعَمْ تَقْرِيرًا وَتَأْكِيدًا وَمُقَدَّمًا عَلَى قَوْلِهِ: (أَنْتَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ) ، أَيْ أَنْتَ كَثِيرُ الْفَظِّ أَيْ سَيِّءُ الْكَلَامِ وَكَثِيرُ الْغِلَظِ أَيْ: شَدِيدُ الْقَلْبِ بِخِلَافِهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ حَسَنُ الْخُلُقِ كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِقَوْلِهِ: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 4] وَقَالَ: {وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران: 159] ، وَقَدْ قَالَ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: (خِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ