لِنِسَائِهِمْ). قَالَ الطِّيبِيُّ: لَمْ يُرِدْنَ بِذَلِكَ إِثْبَاتَ مَزِيدِ الْفَظَاظَةِ وَالْغِلْظَةِ لَعُمَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا مُوَاسِيًا رَقِيقَ الْقَلْبِ فِي الْغَايَةِ، بَلِ الْمُبَالَغَةُ فِي فَظَاظَةِ عُمَرَ وَغِلَظِهِ مُطْلَقًا اه.
وَخُلَاصَتُهُ أَنَّ فِيكَ زِيَادَةَ فَظَاظَةٍ وَغِلْظَةٍ بِالْقِيَاسِ إِلَى غَيْرِكَ لَا بِالْقِيَاسِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَإِنَّهُ كَانَ رَفِيقًا حَلِيمًا جِدًّا، لَكِنْ يُشْكِلُ هَذَا بِمَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي بَابِ التَّبَسُّمِ مِنْ كِتَابِ الْأَدَبِ فَقُلْنَ: إِنَّكَ أَفَظُّ وَأَغْلَظُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِأَنْ يُجْعَلَ مِنْ بَابِ الْعَسَلُ أَحْلَى مِنَ الْخَلِّ، وَالشِّتَاءُ أَبْرَدُ مِنَ الصَّيْفِ، فَيَرْجِعُ الْمَعْنَى إِلَى أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فِي حَالِهِ عَلَى أَعْلَى مَرْتَبَةِ كَمَالِهِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:(إِيهٍ) : بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَالْهَاءِ مُنَوَّنًا وَقَدْ يُتْرَكُ تَنْوِينُهُ أَيْ حَدِّثْ حَدِيثًا وَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى جَوَابِهِنَّ (يَا ابْنَ الْخَطَّابِ) وَفِي رِوَايَةٍ يَا «عُمَرُ» وَقِيلَ: هُوَ اسْمُ فِعْلٍ يُطْلَبُ بِهِ الزِّيَادَةُ أَيِ اسْتَزِدْ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصَلُّبِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: ( «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا» ) أَيْ: ذَاهِبًا طَرِيقًا وَاسِعًا (قَطُّ إِلَّا سَلَكَ غَيْرَ فَجِّكَ) . فَفِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِعُمَرَ إِلَّا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي وُجُوبَ الْعِصْمَةِ إِذْ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَتِهِ الْمُوجِبَةِ لِغَفْلَتِهِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: إِيهٍ اسْمٌ سُمِّيَ بِهِ الْفِعْلُ لِأَنَّهُ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ تَقُولُ لِلرَّجُلِ: إِذَا اسْتَزَدْتَهُ مِنْ حَدِيثٍ أَوْ عَمَلٍ. إِيهٍ بِكَسْرِ الْهَاءِ، فَإِنْ وَصَّلْتَ نَوَّنْتَ، وَقُلْتَ: إِيهٍ حَدِيثًا، وَإِذَا أَسْكَتَّهُ وَكَفَفْتَهُ. قُلْتَ: إِيهًا عَنَّا وَمِنْ حَقِّهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ إِيهًا أَيْ كُفَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ مَجْرُورًا مُنَوَّنًا وَالصَّوَابُ إِيهًا. وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذَا الْحَدِيثَ فِي (جَامِعِهِ) ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ فِي رِوَايَتِهِ ذِكْرٌ. أَقُولُ: إِذَا صَحَّتِ الرِّوَايَةُ وَطَابَقَتِ الدِّرَايَةَ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ تَصْحِيحِ مَعْنَاهُ، فَلَا مَعْنَى لِلتَّخْطِئَةِ فِي مَبْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ وَإِلَيْهِ الْمَرْجِعُ وَالْمَآبُ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَتُوَقِّرْنَنِي وَلَا تُوَقِّرْنَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -. فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) : هُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ هِبْتُ الرَّجُلَ إِذَا وَقَّرْتَهُ وَعَظَّمْتَهُ، يُقَالُ: هَبِ النَّاسَ يَهَابُوكَ أَيْ وَقِّرْهُمْ يُوَقِّرُوكَ اه. كَلَامُهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَمْرَ بِتَوْقِيرِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مَطْلُوبٌ لِذَاتِهِ تَجِبُ الِاسْتِزَادَةُ مِنْهُ، فَكَأَنَّ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (إِيهٍ) اسْتِزَادَةٌ مِنْهُ فِي طَلَبِ تَوْقِيرِهِ وَتَعْظِيمِ جَانِبِهِ، وَلِذَلِكَ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ) إِلَخْ. فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِرْضَاءٍ لَيْسَ بَعْدَهُ اسْتِرْضَاءٌ إِحْمَادًا مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - لِفِعَالِهِ كُلِّهَا، لَا سِيَّمَا هَذِهِ الْفِعْلَةِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ فِي قَوْلِهِ: مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ سَالِكًا، تَنْبِيهٌ عَلَى صَلَابَتِهِ فِي الدِّينِ وَاسْتِمْرَارِ حَالِهِ عَلَى الْجِدِّ الصِّرْفِ، وَالْحَقِّ الْمَحْضِ، حَتَّى كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَالسَّيْفِ الصَّارِمِ وَالْحُسَامِ الْقَاطِعِ، إِنْ أَمْضَاهُ مَضَى، وَإِنْ كَفَّهُ كَفَّ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَى الشَّيْطَانِ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَكَانَ هُوَ كَالْوَازِعِ بَيْنَ يَدَيِ الْمَلِكِ، فَلِهَذَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَنْحَرِفُ عَنِ الْفَجِّ الَّذِي سَلَكَهُ. وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - رَحْمَةً مُهْدَاةً إِلَى الْعَالَمِينَ، مَأْمُورًا بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُذْنِبِينَ، مَعْنِيًّا بِالصَّفْحِ عَنِ الْجَاهِلِينَ لَمْ يَكُنْ لِيُوَاجِهَهُمْ فِيمَا لَا يُحْمَدُ مِنْ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ أَوْ سُوءِ أَدَبٍ بِالْفَظَاظَةِ وَالْغَلَاظَةِ وَالزَّجْرِ