فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 451

الْبَلِيغِ، إِذْ لَا يُتَصَوَّرُ الصَّفْحُ وَالْعَفْوُ مَعَ تِلْكَ الْخِلَالِ. فَلِهَذَا تَسَامَحَ هُوَ فِيهَا وَاسْتَحْسَنَ إِشْعَارَهُنَّ الْهَيْبَةَ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَأَنَّ الشَّيْطَانَ مَتَى رَآهُ سَالِكًا فَجًّا هَرَبَ لِرَهْبَتِهِ مِنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفَارَقَ ذَلِكَ الْفَجَّ لِشِدَّةِ بِأْسِهِ. قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ ضَرَبَ مَثَلًا بِالشَّيْطَانِ وَإِغْوَائِهِ وَأَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَارَقَ سَبِيلَ الشَّيْطَانِ، وَسَلَكَ طَرِيقَ السَّدَادِ، وَخَالَفَ مَا يَأْمُرُهُ بِهِ. وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) . وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَلَفْظُهُمَا: فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَ عُمَرَ انْقَمَعْنَ وَسَكَنَّ أَيْ: ذَلَلْنَ وَارْتَدَعْنَ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ، الْحَدِيثَ. مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ جَوَابِهِنَّ. (وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ (زَادَ الْبَرْقَانِيُّ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَدْ تُكْسَرُ مَنْسُوبٌ إِلَى بَرْقَانَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى خُوَارِزْمَ (بَعْدَ قَوْلِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا أَضْحَكَكَ) . اهـ. فَكَأَنَّهُ حَذَفَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ نِسْيَانًا أَوِ اخْتِصَارًا لِظُهُورِهِ، أَوْ هَذَا مِنْ زِيَادَةِ بَعْضِ الثِّقَاتِ أَوْ مِنْ إِدْرَاجِ بَعْضِ الرُّوَاةِ، وَالْمَعْنَى عَلَيْهِ كَمَا أَشَرْنَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ إِلَيْهِ. [1]

من فوائد الحديث: [2]

1 -كمال خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - وصبره وحلمه على أزواجه، ولين جانبه في معاملتهن.

2 -فيه فضيلة عمر رضي الله عنه وصلابته في الدين ولذا يهرب منه الشيطان إذا رآه.

3 -أن هرب الشيطان من عمر رضي الله عنه لا يلزم منه عصمته ولكنها دليل على استمرار حاله على الجد والسداد مع الصلابة في الدين - كما تقدم -.

4 -كمال توقير عمر رضي الله عنه للرسول - صلى الله عليه وسلم - وسروره لسروره، وغضبه على من قصر فيما يجب له - صلى الله عليه وسلم - من التعظيم والتوقير.

5 -مشروعية الاستئذان لمن أراد الدخول على أحد.

6 -مشروعية الحجاب من الرجال الأجانب.

7 -وَفِيه: فَضِيلَة عَظِيمَة لعمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَن هَذَا الْكَلَام يَقْتَضِي أَن لَا سَبِيل للشَّيْطَان عَلَيْهِ إلاَّ أَن ذَلِك لَا يَقْتَضِي وجوب الْعِصْمَة، إِذْ لَيْسَ فِيهِ إلاَّ فرار الشَّيْطَان من أَن يُشَارِكهُ فِي طَرِيق يسلكها، وَلَا يمْنَع ذَلِك من وسوسته لَهُ بِحَسب مَا تصل إِلَيْهِ قدرته، هَكَذَا قَرَّرَهُ بَعضهم. قلت: هَذَا مَوضِع التَّأَمُّل، لِأَن عدم سلوكه الطَّرِيق الَّذِي يسْلك فِيهِ عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، إِنَّمَا كَانَ لأجل خَوفه لَا لأجل معنى آخر، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث حَفْصَة بِلَفْظ: إِن الشَّيْطَان لَا يلقى عمر مُنْذُ أسلم إلاَّ خر لوجهه. انْتهى. فَالَّذِي يكون حَاله مَعَ عمر هَكَذَا، كَيفَ لَا

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3893)

(2) - شرح القسطلاني = إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (6/ 100) وعمدة القاري شرح صحيح البخاري (16/ 194) وفتح الباري - ابن حجر (10/ 479) .وشرح النووي على مسلم (8/ 137)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت