اللهُ عَنْهُ بِالْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَجُرِحَ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ مِنْهَا حَتَّى قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَهِيدًا" [1] "
المعنى العام:
(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) : - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - (قَالَ: جَاءَ الطُّفَيْلُ) : بِالتَّصْغِيرِ (ابْنُ عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : وَيُقَالُ لَهُ ذُو النُّورِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَهُ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: اجْعَلْ لِي آيَةً. فَقَالَ: (اللَّهُمَّ نَوِّرْ لَهُ) فَسَطَعَ لَهُ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخَافُ أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ مِثْلُهُ، فَتَحَوَّلَ إِلَى طَرَفِ سَوْطِهِ، فَكَانَ يُضِيءُ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ، فَدَعَا قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ أَبُوهُ وَلَمْ تُسْلِمْ أُمُّهُ، وَأَجَابَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَحْدَهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِهِ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهُ قَدِمَ بِخَيْبَرَ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَكَأَنَّهُ قَدْمَتُهُ الثَّانِيَةُ، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَجَرٍ. وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: أَسْلَمَ وَصَدَّقَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِمَنْ تَبِعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُقِيمًا عِنْدَهُ إِلَى أَنْ قُبِضَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا، وَقِيلَ: قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَأَبُو عُدَادَهْ فِي الْحِجَازِ (فَقَالَ) أَيِ: الطُّفَيْلُ (إِنَّ دَوْسًا قَدْ هَلَكَتْ) أَيِ: اسْتَحَقَّتِ الْهَلَاكَ (عَصَتْ) : بَيَانٌ لِمَا قَبْلَهُ (وَأَبَتْ) أَيِ: امْتَنَعَتْ عَنِ الطَّاعَةِ (فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ) ، أَيْ: بِوُقُوعِ الْعَذَابِ (فَظَنَّ النَّاسُ أَنَّهُ يَدْعُو عَلَيْهِمْ فَقَالَ:) ، أَيْ: لِكَوْنِهِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَهُدًى لِلنَّاسِ (اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسَا وَائْتِ بِهِمْ) أَيْ: إِلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرِينَ، أَوْ قَرِّبْهُمْ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إِلَى قَبُولِ الدِّينِ. [2]
الدروس والعبر:
وفي صحيح البخاري بَابُ الدُّعَاءِ لِلْمُشْرِكِينَ بِالهُدَى لِيَتَأَلَّفَهُمْ [3]
وهُو ظاهِرٌ فِيما تَرجَمَ لَهُ وقَولُه"لِيَتَأَلَّفَهُم"مِن تَفَقُّهِ المُصَنِّفَ إِشارَة مِنهُ إِلَى الفَرقِ بَينَ المَقامَينِ وأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كانَ تارَةً يَدعُو عَلَيهِم وتارَةً يَدعُو لَهُم.
فالحالَة الأُولَى حَيثُ تَشتَدُّ شَوكَتُهُم ويَكثُرُ أَذاهُم كَما تَقَدَّمَ فِي الأَحادِيثِ الَّتِي قَبلَ هَذا بِبابٍ.
والحالَةُ الثّانِيَةُ حَيثُ تُؤمَنُ غائِلَتُهُم ويُرجَى تَأَلُّفُهُم كَما فِي قِصَّةِ دَوسٍ. [4]
وَقَالَ الْكرْمَانِي: هم طلبُوا الدُّعَاء عَلَيْهِم وَرَسُول الله، - صلى الله عليه وسلم - دَعَا لَهُم، وَذَلِكَ من كَمَال خلقه الْعَظِيم وَرَحمته على الْعَالمين. قلت: لَا شكّ أَن رَسُول الله، - صلى الله عليه وسلم - رَحْمَة للْعَالمين وَمَعَ هَذَا، كَانَ يحب دُخُول النَّاس فِي الْإِسْلَام، فَكَانَ لَا يعجل بِالدُّعَاءِ عَلَيْهِم مَا دَامَ يطْمع فِي إجابتهم إِلَى الْإِسْلَام، بل كَانَ يَدْعُو
(1) - معرفة الصحابة لأبي نعيم (3/ 1562) (3952 و3953) حسن
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3874)
(3) - صحيح البخاري (4/ 44)
(4) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (6/ 108)