لمن يَرْجُو مِنْهُ الْإِنَابَة، وَمن لَا يرجوه، ويخشى ضَرَره وشوكته يَدْعُو عَلَيْهِ كَمَا دَعَا على قُرَيْش كَمَا مر. [1]
قَوْله: (وائت بهم) أَي: مُسلمين، أَو كِنَايَة عَن الْإِسْلَام، وَهَذَا من خلقه الْعَظِيم وَرَحمته على الْعَالمين حَيْثُ دَعَا لَهُم وهم طلبُوا الدُّعَاء عَلَيْهِم، وَحكى ابْن بطال أَن الدُّعَاء للْمُشْرِكين نَاسخ الدُّعَاء عَلَيْهِم وَدَلِيله قَوْله تَعَالَى: {لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء} (آل عمرَان: 821) ثمَّ قَالَ: وَالْأَكْثَر على أَن لَا نسخ وَأَن الدُّعَاء على الْمُشْركين جَائِز. [2]
وفيه مشروعية رفع اليدين في الدعاء
وحاصِله أَنَّ الرَّفع فِي الاستِسقاء يُخالِف غَيره إِمّا بِالمُبالَغَةِ إِلَى أَن تَصِير اليَدانِ فِي حَذو الوجه مَثَلًا وفِي الدُّعاء إِلَى حَذو المَنكِبَينِ، ولا يُعَكِّر عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ فِي كُلّ مِنهُما"حَتَّى يَرَى بَياض إِبطَيهِ"بَل يُجمَع بِأَن تَكُون رُؤيَة البَياض فِي الاستِسقاء أَبلَغ مِنها فِي غَيره.
وإِمّا أَنَّ الكَفَّينِ فِي الاستِسقاء يَلِيانِ الأَرض وفِي الدُّعاء يَلِيانِ السَّماء، قالَ المُنذِرِيُّ: وبِتَقدِيرِ تَعَذُّر الجَمع فَجانِب الإِثبات أَرجَح. قُلت: ولاسِيَّما مَعَ كَثرَة الأَحادِيث الوارِدَة فِي ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِ أَحادِيث كَثِيرَة أَفرَدَها المُنذِرِيُّ فِي جُزء سَرَدَ مِنها النَّووِيّ فِي"الأَذكار"وفِي"شَرح المُهَذَّب"جُملَة
وأَمّا ما أَخرَجَهُ مُسلِم عَنْ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ، قَالَ: رَأَى بِشْرَ بْنَ مَرْوَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَافِعًا يَدَيْهِ، فَقَالَ: «قَبَّحَ اللهُ هَاتَيْنِ الْيَدَيْنِ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقُولَ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَأَشَارَ بِإِصْبَعِهِ الْمُسَبِّحَةِ» [3] .
فَقَد حَكَى الطَّبَرِيُّ عَن بَعض السَّلَف أَنَّهُ أَخَذَ بِظاهِرِهِ وقالَ: السُّنَّة أَنَّ الدّاعِي يُشِير بِإِصبَعٍ واحِدَة، ورَدَّهُ بِأَنَّهُ إِنَّما ورَدَ فِي الخَطِيب حال الخُطبَة، وهُو ظاهِر فِي سِياق الحَدِيث فَلا مَعنَى لِلتَّمَسُّكِ بِهِ فِي مَنع رَفع اليَدَينِ فِي الدُّعاء مَعَ ثُبُوت الأَخبار بِمَشرُوعِيَّتِها.
وقَد أَخرَجَ أَبُو داوُدَ والتِّرمِذِيّ وحَسَّنَهُ وغَيرهما عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ يَدَيْهِ إِلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا» [4] . بِكَسرِ المُهمَلَة وسُكُون الفاء أَي خالِيَة وسَنَده جَيِّد.
قالَ الطَّبَرِيُّ: وكَرِهَ رَفع اليَدَينِ فِي الدُّعاء ابن عُمَر وجُبَير بن مُطعَم، ورَأَى شُرَيح رَجُلًا يَرفَع يَدَيهِ داعِيًا فَقالَ: مَن تَتَناول بِهِما لا أُمّ لَك؟ وساقَ الطَّبَرِيُّ ذَلِكَ بِأَسانِيدِهِ عَنهُم. وذَكَرَ ابن التِّين عَن
(1) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري (14/ 208)
(2) - عمدة القاري شرح صحيح البخاري (23/ 20)
(3) - صحيح مسلم (2/ 595) 53 - (874) [ش (على أن يقول بيده) أي يشير بيده فهو من إطلاق القول على الفعل]
(4) - سنن أبي داود (2/ 78) (1488) وصحيح ابن حبان - مخرجا (3/ 160) (876) صحيح