فهرس الكتاب

الصفحة 381 من 451

"المُبتَدَأِ"مِن طَرِيقِ يَحيَى بنِ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ عَن أَبِيهِ"أَنَّ الله لَمّا أَمَرَ مُوسَى بِالمَسِيرِ بِبَنِي إِسرائِيلَ أَمَرَهُ أَن يَحمِلَ تابُوتَ يُوسُفَ فَلَم يُدَلَّ عَلَيهِ حَتَّى كادَ الفَجرُ أَن يَطلُعَ."

وكانَ وعَدَ بَنِي إِسرائِيلَ أَن يَسِيرَ بِهِم إِذا طَلَعَ الفَجرُ، فَدَعا رَبَّهُ أَن يُؤَخِّرَ الطُّلُوعَ حَتَّى فَرَغَ مِن أَمرِ يُوسُفَ فَفَعَلَ، لأَنَّ الحَصرَ إِنَّما وقَعَ فِي حَقِّ يُوشَعَ بِطُلُوعِ الشَّمسِ فَلا يَنفِي أَن يُحبَسَ طُلُوعُ الفَجرِ لِغَيرِهِ.

وقَد اشتَهَرَ حَبسُ الشَّمسِ لِيُوشَعَ حَتَّى قالَ أَبُو تَمّامٍ فِي قَصِيدَةٍ:

فَواللهِ لا أَدرِي أَأَحلامُ نائِمٍ ... أَلَمَّت بِنا أَم كانَ فِي الرَّكبِ يُوشَعُ

ولا يُعارِضُهُ أَيضًا ما ذَكَرَهُ يُونُسُ بنُ بَكِيرٍ فِي زِياداتِهِ فِي مَغازِي ابنِ إِسحاقَ"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا أَخبَرَ قُرَيشًا صَبِيحَةَ الإِسراءِ أَنَّهُ رَأَى العِيرَ الَّتِي لَهُم وأَنَّها تَقدُمُ مَعَ شُرُوقِ الشَّمسِ، فَدَعا الله فَحُبِسَت الشَّمسُ حَتَّى دَخَلَت العِيرُ"وهَذا مُنقَطِعٌ، لَكِن وقَعَ فِي"الأَوسَطِ لِلطَّبَرانِيِّ"مِن حَدِيثِ جابِرٍ"أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَمَرَ الشَّمسَ فَتَأَخَّرَت ساعَةً مِن نَهارٍ"وإِسنادُهُ حَسَنٌ.

ووجهُ الجَمعِ أَنَّ الحَصرَ مَحمُولٌ عَلَى ما مَضَى لِلأَنبِياءِ قَبلَ نَبِيِّنا - صلى الله عليه وسلم - فَلَم تُحبَس الشَّمسُ إِلاَّ لِيُوشَعَ ولَيسَ فِيهِ نَفيُ أَنَّها تُحبَسُ بَعدَ ذَلِكَ لِنَبِيِّنا صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ.

ورَوى الطَّحاوِيُّ والطَّبَرانِيُّ فِي"الكَبِيرِ"والحاكِمُ والبَيهَقِيُّ فِي"الدَّلائِلِ"عَن أَسماءَ بِنتِ عُمَيسٍ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - دَعا لَمّا نامَ عَلَى رُكبَةِ عَلِيٍّ فَفاتَتهُ صَلاةُ العَصرِ فَرُدَّت الشَّمسُ حَتَّى صَلَّى عَلِيٌّ ثُمَّ غَرَبَت، وهَذا أَبلَغُ فِي المُعجِزَةِ وقَد أَخطَأَ ابنُ الجَوزِيِّ بِإِيرادِهِ لَهُ فِي"المَوضُوعاتِ"وكَذا ابنُ تَيمِيَّةَ فِي"كِتابِ الرَّدِّ عَلَى الرَّوافِضِ"فِي زَعمِ وضعِهِ واللَّهُ أَعلَمُ.

وأَمّا ما حَكَى عِياضٌ أَنَّ الشَّمسَ رُدَّت لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَومَ الخَندَقِ لَمّا شُغِلُوا عَن صَلاةِ العَصرِ حَتَّى غَرَبَت الشَّمسُ فَرَدَّها اللَّهُ عَلَيهِ حَتَّى صَلَّى العَصرَ.

كَذا قالَ وعَزّاهُ لِلطَّحاوِيِّ، والَّذِي رَأَيته فِي"مُشكِلِ الآثارِ لِلطَّحاوِيِّ"ما قَدَّمت ذِكرَهُ مِن حَدِيثِ أَسماءَ فَإِن ثَبَتَ ما قالَ فَهَذِهِ قِصَّةٌ ثالِثَةٌ واللَّهُ أَعلَمُ.

وجاءَ أَيضًا أَنَّها حُبِسَت لِمُوسَى لَمّا حَمَلَ تابُوتَ يُوسُفَ كَما تَقَدَّمَ قَرِيبًا وجاءَ أَيضًا أَنَّها حُبِسَت لِسُلَيمانَ بنِ داوُدَ عَلَيهِما السَّلامُ وهُو فِيما ذَكَرَهُ الثَّعلَبِيُّ ثُمَّ البَغَوِيُّ عَن ابنِ عَبّاسٍ قالَ:"قالَ لِي عَلِيٌّ: ما بَلَغَك فِي قَولِ اللهِ تَعالَى حِكايَةً عَن سُلَيمانَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ"رُدُّوها عَلَيَّ"؟ فَقُلت: قالَ لِي كَعبٌ: كانَت أَربَعَةَ عَشَرَ فَرَسًا عَرَضَها، فَغابَت الشَّمسُ قَبلَ أَن يُصَلِّيَ العَصرَ، فَأَمَرَ بِرَدِّها فَضَرَبَ سُوقَها وأَعناقَها بِالسَّيفِ فَقَتَلَها، فَسَلَبَهُ اللَّهُ مُلكَهُ أَربَعَةَ عَشَرَ يَومًا لأَنَّهُ ظَلَمَ الخَيلَ بِقَتلِها."

فَقالَ عَلِيٌّ: كَذَبَ كَعبٌ، وإِنَّما أَرادَ سُلَيمانُ جِهادَ عَدُوِّهِ فَتَشاغَلَ بِعَرضِ الخَيلِ حَتَّى غابَت الشَّمسُ فَقالَ لِلمَلائِكَةِ المُوكَّلِينَ بِالشَّمسِ بِإِذنِ اللهِ لَهُم: رُدُّوها عَلَيَّ، فَرَدُّوها عَلَيهِ حَتَّى صَلَّى العَصرَ فِي وقتِها، وأَنَّ أَنبِياءَ اللهِ لا يَظلِمُونَ ولا يَأمُرُونَ بِالظُّلمِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت