فهرس الكتاب

الصفحة 383 من 451

خَافَ أَنْ تَغِيبَ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْهُمْ، وَيَدْخُلَ السَّبْتُ فَلَا يُحِلُّ لَهُ قِتَالُهُمْ فِيهِ فَدَعَا اللَّهَ. ("وَقَالَ: اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا، فَحُبِسَتْ") أَيِ: الشَّمْسُ ("حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ") .

قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: اخْتَلَفُوا فِي حَبْسِ الشَّمْسِ، فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا، وَقِيلَ: وَقَفَتْ بِلَا رَدٍّ، وَقِيلَ: بَطَأَ تَحَرُّكُهَا. قُلْتُ: أَوْسَطُهَا ; لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ فِي مَعْنَى الْحَبْسِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ. قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ «أَنَّ نَبِيَّنَا - صلى الله عليه وسلم - حُبِسَتْ لَهُ الشَّمْسُ مَرَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَرَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ» قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَقَالَ: رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، وَالثَّانِيَةُ صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ انْتَظَرَ الْعِيرَ الَّتِي أَخْبَرَ بِوُصُولِهَا مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ. وَفِي الْمَوَاهِبِ: وَأَمَّا رَدُّ الشَّمْسِ لِحُكْمِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يُوحَى إِلَيْهِ، وَرَأَسُهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَلَمْ يُصَلِّ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"أَصْلَيْتَ يَا عَلِيُّ"؟ قَالَ: لَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ فِي طَاعَتِكَ وَطَاعَةِ رَسُولِكَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ الشَّمْسَ،". قَالَتْ أَسْمَاءُ: فَرَأَيْتُهَا غَرَبَتْ، ثُمَّ رَأَيْتُهَا طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ، وَوَقَعَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ فِي خَيْبَرَ» ، وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مُشْكِلِ الْحَدِيثِ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي فِي الشِّفَاءِ، وَقَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي الْعَسْقَلَانِيَّ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَصْلَ لَهُ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَأَوْرَدَهُ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، وَلَكِنْ قَدْ صَحَّحَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ شَاهِينَ وَغَيْرُهُمْ فِي الشِّفَاءِ: «لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِالرُّفْقَةِ وَالْعَلَامَةِ الَّتِي فِي الْعِيرِ قَالُوا: مَتَى تَجِيءُ، قَالَ: يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ، فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ أَشْرَفَتْ قُرَيْشٌ يَنْظُرُونَ وَقَدْ وَلَّى النَّهَارُ، وَلِمَ تَجِئْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَزِيدَ لَهُ فِي النَّهَارِ سَاعَةً وَحُبِسَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ» . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ» اهـ.

وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ رَدَّ الشَّمْسِ بِمَعْنَى تَأْخِيرِهَا، وَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَادَتْ أَنْ تَغْرُبَ فَحَبَسَهَا فَيَنْدَفِعُ بِذَلِكَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ، وَمِنْ تَغَفُّلِ وَاضِعِهِ أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى صُورَةِ فَضِيلَةٍ، وَلَمْ يَلْمَحْ إِلَى عَدَمِ الْفَائِدَةِ فِيهَا، فَإِنَّ صَلَاةَ الْعَصْرِ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ تَصِيرُ قَضَاءً، وَرُجُوعَ الشَّمْسِ لَا يُعِيدُهَا أَدَاءً اهـ. مَعَ إِنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى الْخُصُومَاتِ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي بَابِ الْمُعْجِزَاتِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِتَحْقِيقِ الْحَالَاتِ. قِيلَ: يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ:" «لَمْ تُحْبَسِ الشَّمْسُ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا لِيُوشَعَ بْنِ نُونٍ» "وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَعْنَى لَمْ تُحْبَسْ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِي إِلَّا لِيُوشِعَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ فَجَاءَتْ يَعْنِي النَّارَ") : تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ("لِتَأْكُلَهَا") : مُتَعَلِّقٌ بِجَمَعَ ("فَلَمْ تَطْعَمْهَا") أَيْ: لَمْ تَأْكُلْهَا فَفِيهِ تَفَنُّنٌ فِي الْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى فَلَمْ تَحْرِقْهَا وَلَمْ تَعْدِمْهَا؟ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَكَانَتْ عَادَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ أَنْ يَجْمَعُوا الْغَنَائِمَ فَتَجِيءَ نَارٌ مِنَ السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا عَلَامَةً لِقَبُولِهَا وَعَدَمِ الْغُلُولِ فِيهَا ("فَقَالَ") أَيْ: ذَلِكَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - لِقَوْمِهِ: ("إِنَّ فِيكُمْ") أَيْ: فِيمَا بَيْنَكُمْ إِجْمَالًا ("

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت