فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 451

كما أسهمت القصة في التأكيد على كثير من مبادئ العقيدة والعبادة والأخلاق, بحيث يمكن لأي إنسان ـ فضلا عن أن يكون عالما ـ أن يستلهم من نصوص السنة القصصية الصحيحة ماينفعه في دينه ودنياه.

ولم يكن غريبا أن تحتذي السنة النبوية بالقرآن الكريم في اشتمالها على عدد كثير من القصص, فقد استحوذت القصة على جانب كبير من توجيهات القرآن الكريم, وأسهمت في تأسيس قواعد الدين وتوضيح معالمه, يقول الله تعالى: نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين, (يوسف:3) وفي بيان الغاية من سوق القصص في القرآن يقول سبحانه: فاقصص القصص لعلهم يتفكرون, (الأعراف:176) , ويقول: لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفتري ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون, يوسف:111, وإنما اتجه القرآن الكريم إلي أسلوب القصص في ترسيخ مبادئ الدعوة لما له من فوائد في تحقيق المراد من هداية العباد, فضلا عن رغبة العربي في القصص واستملاحه لها, فقد اورد الزمخشري في تفسير قوله تعالى: ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا, (لقمان:6) , أن النضر بن الحارث كان يشتري كتب الأعاجم ويحدث بما قريشا ويقول: إن محمدا يحدثكم بحديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بأحداث رستم وبهرام والأكاسرة وملوك الحيرة, فيستمحلون حديثه ويتركون استماع القرآن, [1]

وكان لجوء القرآن الكريم إلى استخدام القصة كأسلوب من أساليب الدعوة مشجعا لكل من ارتبط بالقرآن لينهج نهجه في توظيف القصة لخدمة الدعوة, وبدا هذا واضحا في سنته ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ فقد ظهر تأثره - صلى الله عليه وسلم - بقصص القرآن في سلوكه وأخلاقه, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ حُنَيْنٍ، آثَرَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - أُنَاسًا فِي القِسْمَةِ، فَأَعْطَى الأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ العَرَبِ فَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي القِسْمَةِ، قَالَ رَجُلٌ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذِهِ القِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا، وَمَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَيْتُهُ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلِ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، رَحِمَ اللَّهُ مُوسَى قَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ» [2]

كما ظهر اقتداؤه - صلى الله عليه وسلم - بالقصص القرآني في طريقة عرضه, فكان يختار القصص من تاريخ السابقين ليشرح لنا ما يريد من المعاني بالأمثلة التي تجسد الواقع في صورة الماضي المعروف سلفا ليرسخ في ذهن المتلقي فلا ينساه.

(1) - (تفسير الكشاف:239/ 3) .

(2) - صحيح البخاري (4/ 95) (3150)

(آثر أناسا) اختارهم وخصهم بشيء عن غيرهم. (القسمة) أي قسمة الغنيمة. (رجل) قيل هو معتب بن قشير وهو من المنافقين]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت