فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 451

وإنما كان هذا الاهتمام البالغ بالقصة لما لها من أثر واضح في التوجيه والتربية وإيصال المفاهيم, إذ الإنسان يولع بالقصص ويميل بفطرته إليها, وإذا ما قص عليه جزء من قصة حرص على متابعة أحداثها ليعرف مدى ماوصلت إليه, فغريزة حب الاستطلاع تعلق عين السامع وأذنه وانتباهه بشفتي القصصي البارع استشرافا لمعرفة ماخفي من بقيتها, ومما يدل على هذا الميل الفطري نحو القصة والرغبة في تتبع أحداثها ماورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه لما ذكر قصة موسى مع الخضر قال: وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا، [1]

والقصص أسلوب تربية عملية يشد من أزر المتمسكين بالحق والثابتين عليه, أسوة بمن سبقوهم على الطريق, ومن ثم كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوجه أصحابه إلى استقراء تاريخ الثابتين على الحق إذا أراد أن يقوي عزائمهم, ويشد من أزرهم في مواجهة الصعاب. فعَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ، قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ فَقُلْنَا: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا أَلاَ تَدْعُو لَنَا؟ فَقَالَ: «قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» . [2]

إن القصة أداة سهلة الفهم تحظي بالقبول من العامة والخاصة على السواء, ومن ثم فقد لازمت الإنسان منذ وجوده, ومازالت تؤدي دورها في عالمنا المعاصر بصورة كبيرة جعلتها صاحبة المكانة الأولى في عالم الأدب اليوم, وما من شك هنا أن إقبال الناس على القصص النبوي وتعلقهم بأحداثها يعمق مضامينها في نفوسهم ويمكنهم من الاستيعاب الجيد والتأثر بالأحداث واستخراج العبر والعظات, فضلا عن إستنباط الأحكام الشرعية والقيم النبيلة من السنة النبوية والتي لا تختلف لدي الإنسان عبر الزمان والمكان. [3]

أثر القصص في التربية والتهذيب:

مما لا شك فيه أن القصة المحكمة الدقيقة تطرق المسامع بشغف، وتنفذ إلى النفس البشرية بسهولة ويسر، والدروس التلقينية والإلقائية تورث الملل، ولا تستطيع الناشئة أن تتابعها وتستوعب عناصرها إلا بصعوبة، وإلى أمد قصير، ولذا كان الأسلوب القصصي أجدى نفعًا، وأكثر فائدةً.

والمعهود من النفوس أنها تميل إلى سماع الحكايات والقصص، وهي أطول أمدًا في الذاكرة ولذا ينبغي للمربين أن يفيدوا منها في مجالات التعليم والتربية.

(1) - صحيح البخاري (4/ 156)

(2) - صحيح البخاري (9/ 20) (6943)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت