وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الشُّرْبِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَفِي الْمَظَالِمِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِي الْأَدَبِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ، وَمُسْلِمٌ فِي الْحَيَوَانِ عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي الْجِهَادِ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ بِهِ. [1]
يقص علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قصة رجل مؤمن كان يمشي بطريق أو بادية فعطش عطشا شديدا فنزل بئرا شرب منها حتى روي، ثم خرج منها فإذا به يجد كلبا قد أخرج لسانه من شدة الظمأ يلحس به الأرض الندية لعلّ في رطوبتها ما يقلّل من حرارة العطش.
فقال في نفسه أو بلسانه: لقد بلغ هذا الحيوان الدرجة التي بلغتها في العطش، وآلمه منه ما آلمني، فنزل إلي البئر ثانية وملأ خفه بالماء، وأمسكه بفمه لتخلص له يداه ويمسك بهما في جدارن البئر عند الصعود ثم صعد فسقى الكلب من خفه.
فشكر الله هذا الصنيع. وما شكره إلا عفوه عن ذنوبه السالفة. بل من شكره المنّ بنعمه على المحسنين من عباده.
فسأل الحاضرون رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لنا في البهائم إذا دفعنا عنها الأذى.
وأحسنّا إليها أجر وثواب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر» ، وهذه الجملة تعم كل حيوان من كلب أو قط أو جمل أو بقرة أو شاة ... إلخ، وتشمل دفع أنواع الأذى عنه من عطش، أو جوع أو مرض أو حر، أو برد، أو حمل ثقيل، أو عمل شديد، أو غير ذلك مما يتأذى به الحيوان، وتشمل إيصال ضروب النفع له من تقديم الطعام والشراب والسكن له وإزالة الدرن عن جسمه. بل الكبد الرطبة تشمل الإنسان والحيوان. فكل عمل تعمله تزيل به ضرا. أو تجلب به نفعا لإنسان أو حيوان لك أجر فيه.
ولا تستكثر الشكر من الله والمغفرة لهذا الذي أنقذ الكلب من ظمئه. فإنه نزل البئر له خاصة ليسقيه. وملأ خفه بالماء. وذلك مما يضر بجلده. وأمسكه بفمه وذلك مما يعافّه المتكبرون. وعانى ما عنى من النزول والصعود مثل ما عانى لنفسه. كل ذلك تجشمه في سبيل رأفته بالحيوان الظمان. وهل ترى نفسا تبلغ منها الرحمة يالحيوان هذا المبلغ لا تكون رحمتها بالناس أشد؟ إن هذا العمل ليدّل على شعور راق. ورحمة فياضة. سكنت تلك النفس العالية. فكانت لا ريب خليقة بهذا الجزاء. والراحمون يرحمهم الرحمن، ولعلك عرفت من هذا الحديث تربية الشدائد للنفوس. وأنها تدعوها للخير. وتلفتها إلى مثل ما حل بها. فتعمل على دفعه كما عملت لنفسه. ومن ذاق الآلام المريرة شعر بالام الناس. وتلك حكمة من حكم الصيام أنه يزكي في الناس الشعور بحال البائسين فيمدون أيديهم بالإحسان إليهم.
(1) - شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 482)