والبَرَاجِمُ والرَّوَاجِب: مفاصلُ الأصابعِ كلِّها، وقال أبو مالك في كتابِ"خَلْقِ الإنسان":"الرَّوَاجِبُ: رؤوسُ العظام في ظَهْرِ الكفِّ، والبراجمُ: هي المفاصلُ التي تحتها".
وقوله: شَخَبَتْ يَدَاهُ هو بالخاء المعجمة، وفَتْحِهَا في الماضي، وضمِّها في المضارع، وقد تُفْتَحُ، ومعناه: سال، قال ابن دُرَيْد:"كلُّ شيءٍ سال، فهو شُخْبٌ - بضم الشين وفتحها - وهو: ما خرَجَ من الضَّرْع من اللبن، وكأنه الدُّفْعَةُ منه"، ومنه المَثَلُ:"شُخْبٌ في الأرضِ، وشُخْبٌ في الإناء!"، يقال للذي يُصِيبُ مَرَّةً، ويخطئُ أخرى؛ تشبيهًا له بالحالب الذي يفعلُ ذلك.
وقوله: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ: دليلٌ على أن الكبائر قد تُغْفَرُ بفعلِ القواعد، وفيه نَظَرٌ سيأتي في الطهارة، إن شاء الله تعالى.
وقوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ: دليلٌ على أنَّ المغفرةَ قد لا تتناول محلَّ الجناية، فيحصُلُ منه توزيعُ العقاب على المعاقَبِ؛ ولذلك قال ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: اللَّهُمَّ، وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ.
والظاهرُ: أنَّ هذا الرجلَ أدركتْهُ بركةُ دعوةِ النبيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ، فغُفِرَ ليدَيْهِ، وكُمِّلَ له ما بقي من المغفرة عليه؛ وعلى هذا: فيكونُ قوله: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ ممتدًّا إلى غايةِ دعاءِ النبيِّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ له؛ فكأنَّه قيل له: لن نصلحَ منك ما أفسدْتَ ما لم يَدْعُ لك النبيُّ ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ. [1]
من عبر القصة:
فِيهِ حُجَّةٌ لِقَاعِدَةٍ عظيمة لِأَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ أَوِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً غَيْرَهَا وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ وَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِالنَّارِ بَلْ هُوَ فِي حُكْمِ الْمَشِيئَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ الْقَاعِدَةِ وَتَقْرِيرُهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ شَرْحٌ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي قَبْلَهُ الْمُوهِمُ ظَاهِرُهَا تَخْلِيدَ قَاتِلِ النَّفْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ وَفِيهِ إِثْبَاتُ عُقُوبَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ فِي يَدَيْهِ فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَضُرُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ [2]
وقال القرطبي:
"وهذا الحديثُ: يقتضي أنَّ قَاتِلَ نفسه ليس بكافر، وأنَّه لا يُخَلَّدُ في النار، وهو موافق لمقتضى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} ."
وهذا الرجلُ ممَّن شاء الله أن يَغْفِرَ له؛ لأنَّه إنَّما أتَى بما دون الشِّرْك، وهذا بخلافِ القاتلِ نفسَهُ المذكورِ في حديث جُنْدُب؛ فإنَّه ممَّن شاء الله أن يعذِّبه." [3] "
(1) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 86)
(2) - شرح النووي على مسلم (2/ 131)
(3) - المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (2/ 87)