أما امْتنَاع رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - من الْحصن فَإِن التحصن بالجدران فعل الجبان، وَإِنَّمَا التحصن بِالسُّيُوفِ والمبارزة فعل الشجاع. وَسمي الْحصن حصنا من الإمتناع. والمنعة: مَا تمنع. وَهَذَا إِنَّمَا عرضه عَلَيْهِ لما كَانَ بِمَكَّة. [1]
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ذِكْرُ رُؤْيَا أُرِيَهَا الصَّحَابِيُّ لِلِاعْتِبَارِ بِمَا يُؤَوَّلُ تَعْبِيرُهُ، فَإِنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم:"اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ". مِنْ جُمْلَةِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْخُلُودَ غَيْرُ وَاقِعٍ فِي حَقِّ مَنْ أَتَى بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ قَتَلَ نَفْسَهُ ; لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا لِلْجَانِي عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَغْفِرَةِ، وَلَا يَجُوزُ فِي حَقِّهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُودُ بَعْدَ أَنْ نُهِيَ عَنْهُ. [2]
قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَعَلَ بِنَفْسِهِ مَا فَعَلَ مِمَّا ذَكَرَ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُ عِلَاجٌ تَبْقَى بِهِ بَقِيَّةُ يَدَيْهِ فَفَعَلَ مَا فَعَلَ لِتَسْلَمَ لَهُ نَفْسُهُ وَتَبْقَى لَهُ بَقِيَّةُ يَدَيْهِ فَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَذْمُومًا وَكَانَ كَرَجُلٍ أَصَابَهُ فِي يَدِهِ شَيْءٌ فَخَافَ إنْ لَمْ يَقْطَعْهَا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا سَائِرُ بَدَنِهِ وَيُتْلِفَ بِهَا نَفْسَهُ فَهُوَ فِي سَعَةٍ مِنْ قَطْعِهَا فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْهَا , وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ بِذَلِكَ يَسْلَمُ لَهُ بِذَلِكَ بَقِيَّةُ بَدَنِهِ وَيَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ , ثُمَّ مَاتَ مِنْهَا أَنَّهُ غَيْرُ مَلُومٍ فِي ذَلِكَ وَلَا مُعَاقَبٌ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ هَذَا الرَّجُلُ فِيمَا فَعَلَ بِبَرَاجِمِهِ حَتَّى كَانَ مِنْ فِعْلِهِ تَلَفُ نَفْسِهِ , وَهُوَ خِلَافُ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ طَاعِنًا لَهَا أَوْ مُتَرَدِّيًا مِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ لِيُتْلِفَ نَفْسَهُ أَوْ مُتَحَسِّيًا لِسُمٍّ لِيَقْتُلَ بِهِ نَفْسَهُ فَلَمْ يَبِنْ بِحَمْدِ اللهِ فِيمَا رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَضَادٌّ وَلَا اخْتِلَافٌ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَعَا رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَدَيْ هَذَا الرَّجُلِ بِالْغُفْرَانِ وَدُعَاؤُهُ لِيَدَيْهِ بِذَلِكَ دُعَاءٌ لَهُ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا عَنْ جِنَايَةٍ كَانَتْ مِنْهُ عَلَى يَدَيْهِ اسْتَحَقَّ بِهَا الْعُقُوبَةَ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْغُفْرَانِ لِيَدَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ غُفْرَانًا لَهُ قِيلَ لَهُ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذَكَرْتُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ الدُّعَاءِ لِيَدَيْ ذَلِكَ الرَّجُلِ كَانَ لِإِشْفَاقِهِ عَلَيْهِ وَلِعَمَلِ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ كَانَ فِي قَلْبِهِ فَدَعَا لَهُ بِذَلِكَ لِهَذَا الْمَعْنَى لَا لِمَا سِوَاهُ كَمَا قَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِمَّا عَلَّمَهُ حُصَيْنًا الْخُزَاعِيَّ أَبَا عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ، فعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عَلَّمَ أَبَاهُ حُصَيْنًا بَعْدَمَا أَسْلَمَ فَقَالَ:"قُلِ اللهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَخْطَأْتُ وَمَا عَمَدْتُ وَمَا جَهِلْتُ وَمَا عَلِمْتُ"فَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْلِيمُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حُصَيْنًا أَنْ يَدْعُوَ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ مَا أَخْطَأَ يَعْنِي الْخَطَأَ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْعَمْدِ , وَذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَيْرُ مَأْخُوذٍ بِهِ وَلَا مُعَذَّبٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ} [الأحزاب: 5] فَكَانَ الْخَطَأُ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ تَعَمُّدُ الْقُلُوبِ مَعْفُوًّا عَنْهُ غَيْرَ مَأْخُوذٍ بِهِ صَاحِبُهُ وَكَانَ أَمْرُ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلَامُ حُصَيْنًا أَنْ يَدْعُوَ اللهَ بِغُفْرَانِهِ إيَّاهُ لَهُ عَلَى الرَّهْبَةِ مِنَ اللهِ وَالتَّعْظِيمِ لَهُ وَالْخَوْفِ مِمَّا عَسَى أَنْ يَكُونَ يُخَالِطُ قَلْبَ الْمُخْطِئِ فِي حَالِ خَطَئِهِ مِنْ مَيْلٍ إلَى مَا أَخْطَأَ
(1) - كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 104)
(2) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2263)