(فَلَقِيَهُ) أَيْ: مُحَمَّدًا (فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذَا الرِّيحِ، فَهَلْ لَكَ) ؟ أَيْ: رَغْبَةٌ فِي أَنْ أَرْقِيَكَ وَأُخَلِّصَكَ مِنَ الْجُنُونِ (فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -(إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ) ، أَيْ: ثَابِتٌ لَهُ مُخْتَصٌّ بِهِ، سَوَاءٌ حُمِدَ أَوْ لَمْ يُحْمَدْ (نَحْمَدُهُ) أَيْ: لِوُجُوبِهِ عَلَيْنَا وَلِعَوْدِ نَفْعِهِ إِلَيْنَا (وَنَسْتَعِينُهُ) أَيْ: فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا (مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ) أَيْ: إِلَى طَرِيقِ تَوْحِيدِهِ وَشُهُودِ تَفْرِيدِهِ بِمُقْتَضَى فَضْلِهِ (فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ) أَيْ: وَمَنْ يُضْلِلْهُ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ بِمُوجَبِ عَدْلِهِ (فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ) أَيْ: مُنْفَرِدًا وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِمَا قَبْلَهُ كَقَوْلِهِ: (لَا شَرِيكَ لَهُ) ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْأَوَّلِ تَوْحِيدُ الذَّاتِ، وَبِالثَّانِي تَفْرِيدُ الصِّفَاتِ (وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ) أَيِ: الْمُخْتَصُّ الْمُكَرَّمُ (وَرَسُولُهُ) أَيِ: الْمَخْصُوصُ الْمُعَظَّمُ - صلى الله عليه وسلم -.
وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ (أَمَّا بَعْدُ) أَيْ: وَأَرَادَ أَنْ يَخْطُبَ لَهُ خُطْبَةً عَظِيمَةً وَمَوْعِظَةً جَسِيمَةً تَعْجَزُ عَنْهُ الْبُلَغَاءُ، وَيَتَحَيَّرُ فِيهِ الْفُصَحَاءُ، لِيَعْلَمَ الْعُقَلَاءُ أَنَّهُمْ بِجَنْبِهِ مِنَ الْمَجَانِينِ وَالسُّفَهَاءِ، (قَالَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) ، الْمُتَقَدِّمَةَ الدَّالَّةَ عَلَى جَزَالَةِ الْخَاتِمَةِ (فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ) . يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّثْلِيثُ بِالْأُولَى كَمَا كَانَ لَهُ الْعَادَةُ أَوْ بِغَيْرِهَا، كَمَا يُفِيدُ حَقِيقَةُ الْإِعَادَةِ مَعَ زِيَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي مَقَامِ الْإِفَادَةِ وَتَمَامِ الِاسْتِفَادَةِ (قَالَ) أَيْ: ضِمَادٌ (لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ) . بِفَتْحَتَيْنِ جَمْعُ كَاهِنٍ وَهُوَ الْمُخْبِرُ عَنِ الْغَيْبِ بِعِبَارَاتٍ مُسَجَّعَةٍ وَإِشَارَاتٍ مُبْدِعَةٍ (وَقَوْلَ السَّحَرَةِ) جَمْعُ سَاحِرٍ وَهُوَ الْمُخَيَّلُ فِي الْعَيْنِ وَالذِّهْنِ مِنْ جِهَةِ قَوْلِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ فِعْلِهِ (وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ) ، جَمْعُ شَاعِرٍ وَهُوَ الْمُحَلَّى بِاللِّسَانِ فِي كُلِّ شَأْنٍ حَتَّى شَانَ مَا زَانَ وَزَانَ مَا شَانَ، يُرِيدُ أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَكَ تَارَةً إِلَى الْكَهَانَةِ وَمَرَّةً إِلَى السِّحْرِ، وَأُخْرَى إِلَى الشِّعْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَقَالَةَ أَصْحَابِهَا (فَمَا سَمِعْتُ) أَيْ: مِنْهُمْ (مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ) . يَعْنِي فَلَوْ كُنْتَ مِنْهُمْ لَأَشْبَهَ كَلَامُكَ كَلَامَهُمْ، فَإِذَا كَانَ كَلَامُهُ أَبْلَغَ مِنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ، فَلَا يَعُدُّهُ مَجْنُونًا إِلَّا السُّفَهَاءُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الْكُهَّانَ وَالسَّحَرَةَ وَالشُّعَرَاءَ أَهْلَ الْبَلَاغَةِ وَالْمُتَصَرِّفِينَ فِي الْقَوْلِ عَلَى أَيِّ أُسْلُوبٍ شَاءُوا، فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ هَذَا إِلَى الْإِعْجَازِ أَيْ: جَاوَزَ كَلَامُكَ حَدَّ الْبَلَاغَةِ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَابَلَ كَلَامَ ضِمَادٍ بِمَا تَقَدَّمَ لِيُظْهِرَ لَهُ كَمَالَ عَقْلِهِ، وَيَتَبَيَّنَ جَهْلُ أَعْدَائِهِ.
وَقَالَ الطِّيبِيُّ: طَابَقَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ - صلى الله عليه وسلم - قَوْلَ ضِمَادٍ مِنْ أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ مَكَّةَ أَنَّ مُحَمَّدًا مَجْنُونٌ اعْتَقَدَ أَنَّهُ كَذَلِكَ، فَقَالَ: هَلْ لَكَ رَغْبَةٌ فِي الْخَلَاصِ؛ كَأَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - مَا الْتَفَتَ إِلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ، وَأَرْشَدَهُ إِلَى الْحَقِّ الْبَحْتِ وَالصِّدْقِ الْمَحْضِ، أَيْ: إِنِّي لَسْتُ بِمَجْنُونٍ أَتَكَلَّمُ كَلَامَ الْمَجَانِينِ، بَلْ كَلَامِي نَحْوُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ، فَتَفَكَّرْ فِيهِ هَلْ يَنْطِقُ الْمَجْنُونُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ وَنَحْوِهِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ - وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 51 - 52] أَيْ: إِنَّهُمْ جَنَّنُوهُ لِأَجْلِ الْقُرْآنِ، وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَمَوْعِظَةٌ لِلْعَالِمِينَ، وَكَيْفَ يُجَنَّنُ مَنْ جَاءَ بِمِثْلِهِ. قُلْتُ بَلِ الْمَجْنُونُ مَنْ غَفَلَ عَنْ ذِكْرِ الْحَقِّ وَاشْتَغَلَ بِكَلَامِ الْخَلْقِ، وَلِذَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم - (اذْكُرُوا اللَّهَ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ) ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْعَرَبُ رُبَّمَا اسْتَعْمَلُوا هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ الْعُقَلَاءِ، وَقَدْ شَهِدَ بِهِ التَّنْزِيلُ قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا} [الإسراء: 36] قَالَ الشَّاعِرُ: