فَتَحَيَّرَ، فَإِذَا نَظَرَ فِي كِتَابِنَا عَرَفَ أَصْلَهُ وَمَعْنَاهُ قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ يُؤَيِّدُ الشَّيْخَ فِيمَا قَرَّرَهُ، وَيُؤَكِّدُ مَا حَرَّرَهُ مِنْ جِهَةِ عَدَمِ صِحَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَأَمَّا دِرَايَةٌ فَقَالَ الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ: نَاعُوسُ الْبَحْرِ مُعْظَمُهُ، وَتَحْتُهُ الَّذِي يُغَاصُ فِيهَا لِإِخْرَاجٍ اللَّآلِئِ، مِنْ نَعَسَ إِذَا نَامَ لِأَنَّ الْمَاءَ مِنْ كَثْرَتِهِ لَا تَظْهَرُ حَرَكَتُهُ، فَكَأَنَّهُ نَائِمٌ. قُلْتُ: ثَبَتَ الْعَرْشُ ثُمَّ انْقَشَّ الْفَرْشُ، فَإِنَّ تَحْقِيقَ الرِّوَايَةِ مُقَدَّمٌ عَلَى تَدْقِيقِ الدِّرَايَةِ، مَعَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مَعْنَاهُ اللُّغَوِيَّ، بَلْ تَكَلُّفٌ وَتَعَسُّفٌ فِي تَصْحِيحِهِ بِالْمَعْنَى الْمَجَازِيِّ، فَأَنَّى يُقَاوِمُ قَوْلَ الشَّيْخِ، وَهَذَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي لَمْ تُسْمَعْ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ، وَأَغْرَبَ الطِّيبِيُّ حَيْثُ قَالَ: وَمِنَ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ النَّاعُوسُ حَقِيقَةً فِي الْقَامُوسِ، وَكَانَتْ لُغَةً عَرَبِيَّةً خَفِيَ مَكَانُهَا فَلَمْ تُنْقَلْ نَقْلًا فَاشِيًا اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ إِنْ فَتَحْنَا بَابَ الْإِمْكَانِ انْسَدَّ طَرِيقُ التَّحْقِيقِ فِي مَكَانٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [1]
من فوائد الحديث والقصة:
1 -العرب قبل الإسلام كانت تعتقد بمس الجن، ويسمونه (الريح) وجاء الإسلام، فأقره، قال الله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}
2 -من العرب من كان يرقي من مس الجن، وربما استعانوا بالجنب، فأبطل الإسلام هذه الاستعانة، وقال الله تعالى عنهم: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} (زاد الكفار خوفًا وإثمًا وطغيانًا) .
وبعض المسلمين يستعينون بالجن لمداواة المرضى، أو لفك السحر، وهذا من الشرك الأكبر الذي يحبط العمل، ويزيدهم طغيانًا وكفرًا، وعلى المسلم أن يتداوى بقراءة المعوذتين.
أ-كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من أعين الجان، وأعين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما، وترك ما سواهما.
ب-وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذتين، وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه بالمعوذتين وأمسح بيده عليه رجاء بركتها.
3 -من العرب في الجاهلية من يعتقد أن الشافي هو الله وحده، وبعض المسلمين - مع الأسف الشديد - يعتقدون أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغيره يشفي من الأمراض المختلفة.
فقد قال الأخ (أحمد محمد جمال) في جريدة المدينة: (وفي روايات متعددة يصف الرسول - صلى الله عليه وسلم - نفسه بأنه(رحمة مهداه) إلى الإنسانية، ليخرجها من الظلمات إلى النور، ويشفي قلوبها وأبصارها وأبدانها من الأسقام الحسية والمعنوية معًا، والدليل على رد كلامه ما جاء في القرآن والحديث:
أ-قال الله تعالى على لسان إبراهيم: {وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ}
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3749)