وَالْإِحْسَان إِلَيْهِ أَيْضًا بِإِطْعَامِهِ وَغَيْره سَوَاء كَانَ مَمْلُوكًا أَوْ مُبَاحً، وَسَوَاء كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ. وَاللَّهُ أَعْلَم [1] .
وقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّصُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِي الْإِحْسَانِ إِلَى الْبَهَائِمِ الْمَمْلُوكَاتِ وَغَيْرِ الْمَمْلُوكَاتِ أَجْرًا عَظِيمًا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ السَّيِّئَاتِ وَالدَّلِيلُ أَنَّ فِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْهَا وِزْرًا بِقَدْرِ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ إِلَيْهَا إِذَا كَانَ فِيهِ الْأَجْرُ فَفِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْهَا - لَا مَحَالَةَ - الْوِزْرُ" [2] "
وَقَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - «فِي كُلِّ ذِي كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ» عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مَا يُمْلَكُ مِنْهُ وَمَا لَا يُمْلَكُ فَإِنَّ فِي الْإِحْسَانِ إلَيْهَا أَجْرًا. [3]
قَالَ الدَّاوُدِيُّ: الْمَعْنَى: فِي كُلِّ كَبِدٍ حَيٍّ، وَهُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحَيَوَانِ، قَالَ الْأُبِّيُّ: حَتَّى الْكَافِرُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا} [الإنسان: 8] (سورة الْإِنْسَانِ: الْآيَةُ 8) ; لِأَنَّ الْأَسِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَغْلَبِ كَافِرًا، انْتَهَى.
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ: هَذَا الْحَدِيثُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَأَمَّا الْإِسْلَامُ فَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، وَقَوْلُهُ: فِي كُلِّ كَبِدٍ، مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ الْبَهَائِمِ مِمَّا لَا ضَرَرَ فِيهِ ; لِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِقَتْلِهِ كَالْخِنْزِيرِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقْوَى لِيَزْدَادَ ضَرَرُهُ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: عُمُومُهُ مَخْصُوصٌ بِالْحَيَوَانِ الْمُحْتَرَمِ، وَهُوَ مِمَّا لَمْ يُؤْمَرُ بِقَتْلِهِ فَيَحْصُلُ الثَّوَابُ بِسَقْيِهِ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ إِطْعَامُهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهِ الْإِحْسَانِ.
وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: لَا يَمْنَعُ إِجْرَاؤُهُ عَلَى عُمُومِهِ، يَعْنِي: فَيَسْقِي، ثُمَّ يَقْتُلُ لِأَنَّا أُمِرْنَا بِأَنْ نُحْسِنَ الْقِتْلَةَ، وَنُهِينَا عَنِ الْمُثْلَةِ، وَفِيهِ جَوَازُ حَفْرِ الْآبَارِ فِي الصَّحْرَاءِ لِانْتِفَاعِ عَطْشَانَ وَغَيْرِهِ بِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ سَاغَ مَعَ مَظِنَّةِ الِاسْتِضْرَارِ بِهَا مِنْ سَاقِطٍ بِلَيْلٍ، أَوْ وُقُوعِ بَهِيمَةٍ، وَنَحْوِهَا فِيهَا؟ أُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتِ الْمَنْفَعَةُ أَكْثَرَ وَمُتَحَقِّقَةً، وَالِاسْتِضْرَارُ نَادِرًا، أَوْ مَظْنُونًا غَلَبَ الِانْتِفَاعُ، وَسَقَطَ الضَّمَانُ، فَكَانَتْ جُبَارًا، فَلَوْ تَحَقَّقَتِ الضَّرُورَةُ لَمْ يَجُزْ، وَضَمِنَ الْحَافِرُ، وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِحْسَانِ وَأَنَّ سَقْيَ الْمَاءِ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ. [4]
وَقَدْ اُسْتُدِلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ عَلَى مَالِكِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ الْمُدَّعَى. [5]
2 -فيه دليل على قبول عمل المرتكب للكبائر من المسلمين، وأن الله تعالى تجاوز عن هذا الرجل - أو المرأة- تفضلا منه، وإلا فالأصل أن الكبائر لابد فيها من التوبة الخاصة، والله تعالى أعلم.
(1) - عون المعبود للعظيم آبادي، 14/ 16.
(2) - الاستذكار (8/ 370)
(3) - المنتقى شرح الموطإ (7/ 244)
(4) - شرح الزرقاني على الموطأ (4/ 483)
(5) - نيل الأوطار (7/ 8)