العوامل الآنفة الذكر، غير أن سرعة التواصل مع المجتهدين بواسطة وسائل الاتصال الحديثة تضعف هذا الاحتمال، إذْ يمكن لناقل الإجماع أن يطلع على أقوالهم بواسطة الهاتف، أو عن طريق الإنترنت في دقائق معدودة لا تكفي لإعادة المجتهد النظر في المسألة.
ولعل مما يؤكد أثر تغير الأحوال في الاجتهاد في هذه المسألة أن القائلين بالإمكان في الأزمنة الماضية فرضوا في ثنايا مناقشاتهم للقول الآخر صورًا ذهنية ليست متحققة في ذلك الزمان بهدف إثبات أن هذا الأمر وإن بدا مستحيلًا في بعض الأحوال إلا أنه قد يبدو ممكنًا في أحوال أخرى.
يقول الجويني (ت478هـ) : -"ثم قال القاضي [1] لا يمتنع تصور ملك تنفذ عزائمه في خطة أهل الإسلام، إما باحتوائه على البيضة، أو بعلو قدره واستمكانه من إحضار من يشاء من الممالك بجوازم أوامره المنفذة إلى ملوك الأطراف، وإذا كان ذلك ممكنًا فلا يمتنع أن يجمع مثل هذا الملك علماء العالم في مجلس واحد، ثم يلقي عليهم ما عنّ له من المسائل ويقف على خلافهم ووفاقهم، فهذا وجه في التصوير بين لا يتوقف تصوره على فرض خرق العادة، فهذا منتهى كلامه ... وما صوره القاضي من إحضار جميع العلماء ليس منكرًا، فقد تكون أطراف الممالك في حق الملك العظيم كأنها بمرأى منه ومسمع، فلا يبعد ما قاله على ما صوره"أ-هـ [2] .
وفي اعتقادي أن الاطلاع على الإجماع في هذا الزمن مع وجود هذه الوسائل أقرب بكثير من الصورة التي فرضها القاضي، ولو رأى هو أو القائلون بالاستحالة هذا الواقع الجديد لما احتاج إلى كبير عناء في إقامة الحجة عليهم.
ولعل من أبرز الأمثلة التي تدل على إمكانية حصول الإجماع في هذا الزمان والاطلاع عليه ونقله: اتفاق مجتهدي العصر على أحكام بعض النوازل، وانتشار ذلك، وعدم وجود مخالف، كاتفاقهم على تحريم المخدرات، والاستنساخ البشري [3] ، وأن النقود الورقية تأخذ أحكام الذهب والفضة [4] .
(1) يعني أبا بكر الباقلاني المتوفي سنة 403هـ.
(2) البرهان 1/ 433.
(3) انظر قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي 320.
(4) انظر المصدر السابق 82، وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي 99 - 101.