في أي بقعة من هذه المعمورة لحظة بلحظة، فمن المستبعد أن يوجد عالم مجتهد يعتد برأيه في عالمنا اليوم من دون أن يشتهر أمره ويذيع خبره إما عن طريق الصحافة، أو التلفاز، أو الإذاعة، أو من خلال طلابه، أو مؤلفاته، بل يندر أن يوجد مثل هذا من دون أن يكون له ذكر في شبكة الإنترنت حتى ولو كان هذا العالم ممن لا يحفل بهذه الوسائل.
الثالث: تعذر الاجتماع بكل واحد من المجتهدين ومعرفة قوله.
فإن دعوى الإجماع - كما هو معلوم- تتطلب العلم برأي كل واحد من المجتهدين في المسألة من خلال الاجتماع به والسماع منه مشافهة، أو بواسطة خبر الثقة عنه، أو من خلال الاطلاع على كتبه أو رسائله بعد التأكد من ثبوت النسبة إليه، والقول بتعذر هذا في زمان الأصوليين الأوائل قد يكون وجيهًا عطفًا على واقع ذلك الزمان وما اعتاده الناس في حينه، لكن الحال قد تغير في هذا الزمان الذي قل فيه المجتهدون، وتقدمت فيه وسائل الاتصال بشكل مذهل، بحيث لم يعد هنالك صعوبة تذكر في الاطلاع على أقوال المجتهدين، إما مشافهة عن طريق السفر إليهم بوسائل المواصلات الحديثة، أو بالتواصل معهم عبر وسائل الاتصالات المختلفة، كالهاتف، والفاكس، والبريد العادي، أو الإلكتروني، أو عبر شبكة الإنترنت التي يمكن من خلالها إجراء المحادثة بين شخصين أو أكثر بالصوت والصورة، بحيث لو أراد المجتهدون الاجتماع والتشاور لأمكنهم ذلك ولو كان كل واحد منهم في بلده.
ولعل مما يؤكد تأثير هذا المعنى - أعني تقدم وسائل الاتصال - في استحالة تصور الإجماع أن أكثر الأصوليين متفقون على تصور حصول الإجماع والاطلاع عليه إذا كان اجتماع كافة المجتهدين ممكنًا، كما هو الحال في عصر الصحابة [1] .
الرابع: إمكانية رجوع المجتهد عن قوله قبل معرفة آراء بقية المجتهدين.
وهذا الاحتمال كان مؤثرًا في ظل واقع ذلك الزمان الذي يحتاج ناقل الإجماع فيه إلى وقت طويل - يكفي لتغير اجتهاد من اطلع على رأيه- قبل أن يصل إلى الباقين بسبب
(1) انظر البرهان 1/ 433، والإبهاج 2/ 392.