السبل لم يكن بالأمر السهل في ذلك الزمن الذي اتسعت فيه رقعة العالم الإسلامي، وضعف الاتصال بين العلماء، في حين أن وسائل الانتقال المتاحة لا تعدو ركوب الدواب - من الجمال أو الخيل أو نحوها- أو السفر مشيًا على الأقدام، ولا يخفى أن الوقوف على آراء كافة العلماء بهذه الوسائل في كل نازلة أمر يصعب تصوره، وهذا هو الذي جعل هؤلاء يقولون باستحالة الاطلاع على الإجماع ونقله.
ومما يؤكد كون القول بالاستحالة مبني على حال ذلك الزمان أنهم أشاروا في حجتهم إلى أنه متعذر في العادة [1] ، ولاشك أن المراد بذلك ما اعتادوه في ذلك الزمان من عدم الإمكان بواسطة تلك الوسائل.
وفي هذا العصر تغيرت الأحوال وتبدلت الظروف بسبب التقدم التقني المذهل الذي شمل كافة جوانب الحياة، وما يهمنا هنا هو رصد أهم المتغيرات التي يمكن أن تكون مؤثرة في مسألتنا بما يستلزم إعادة النظر في القول القاضي بالاستحالة والحجة التي استند إليها.
فإن المتأمل في الحجة التي تمسك بها هؤلاء يجد أنها تقوم على أربعة أركان:
الأول: اتساع العالم الإسلامي وبعد المسافات.
وهذا الأمر لم يعد عائقًا في عصرنا الحاضر مع تقدم وسائل المواصلات، كالطائرات، ونحوها، إذْ يمكن للمرء أن ينتقل إلى أي بلد في هذه الدنيا في ساعات قليلة، بل إن العالم اليوم أصبح كالقرية الصغيرة بسبب تقدم وسائل الاتصالات ووسائط المعلومات.
الثاني: تعذر معرفة جميع المجتهدين بسبب عدم شهرة بعضهم أو خموله.
وهو احتمال مؤثر قد يسلم به البعض في ذلك الزمان، لكنه بعيد جدًا في هذا العصر الذي انتشرت فيه وسائل الإعلام والاتصال إلى درجة أن الأحداث باتت تنقل على الهواء مباشرة، بحيث يمكن للمقيم في هذه البلاد مثلًا أن يتابع حدثًا يجري في أمريكا أو في الصين أو
(1) انظر البرهان 1/ 432، والإحكام للآمدي 1/ 198.