فهرس الكتاب

الصفحة 84 من 99

الحالة الثانية: أن يسمع الفتوى أو يجدها مكتوبة في إحدى هذه الوسائل، وهي مسألة عمت بها البلوى في هذا العصر مع دخول وسائل الإعلام وشبكات المعلومات في كل منزل، حيث أصبح المفتون يطلون على الناس في بيوتهم عبر هذه الوسائل المتنوعة، وربما سمع العامي أو قرأ في وسيلة منها فتوى في مسألة يحتاجها أو تشكل عليه، فهل يجوز له التقليد مباشرة؟ أو لابد لذلك من ضوابط وشروط؟.

إن الإجابة على هذا السؤل تتطلب التفصيل في هذه القضية، فإن حال المقلد هنا لا يخلو من أمرين:

الأول: أن تكون لديه معرفة سابقة بالعالم الذي صدرت منه الفتوى، وأنه ممن تبرأ الذمة بتقليده، فحكمه حينئذ كحكم المستفتي بنفسه، وقد تقدم أن المختار في ذلك أنه تلزمه الفتوى إذا لم يجد مفتيًا آخر [1] ، وأن ذلك لا يتوقف على التزامه، ولا على سكون نفسه إلى صحة قوله، لأن فرض العامي التقليد، وإن وجد مفتيًا آخر فإن استبان له أن الأول هو الأعلم والأوثق فالمختار أنه تلزمه فتواه، وإن لم يستبن له ذلك لم تلزمه هذه الفتوى بمجرد سماعه لها، أو عثوره عليها، لأنه يجوز له استفتاء غيره وتقليده.

الثاني: أن يكون غير عارف بالمفتي عبر هذه الوسائل قبل ذلك- وهو أمر شائع في برامج الإفتاء التلفزيونية، والإذاعية، والمواقع الإلكترونية- فحينئذٍ يلزمه السؤال عن حاله، فإن عرف بواسطة خبر الثقة العدل أهليته للاجتهاد وأنه ممن تبرأ الذمة بتقليده، فالحكم هنا كالحكم في الأمر الأول، وإن لم يقف على حاله لم يجز له تقليده ولا الأخذ بفتواه على المختار من أقوال أهل العلم، وذلك لأن من وجب عليه قبول قول غيره فيلزمه معرفة حاله، ولذا يجب على الأمة معرفة حال الرسول بالنظر في معجزاته، ويجب على الحاكم معرفة حال الشهود في العدالة، وعلى المفتي معرفة حال الراوي، ولأن مجهول الحال قد يكون أجهل من المقلد [2] .

وإذا لم يجز تقليد مجهول الحال فمجهول العين - كالنكرات الذين يستخدمون الأسماء المستعارة في شبكة الإنترنت - من باب أولى.

(1) انظر الفقيه والمتفقه 2/ 386، وفتاوى ابن الصلاح 90، والمسودة 524، وكشاف القناع 6/ 308.

(2) انظر المستصفى 2/ 390، وروضة الناظر 3/ 1022، والبحر المحيط 4/ 588، وفواتح الرحموت 2/ 403.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت