وإذا كان الاجتهاد الجماعي هو السبيل الآمن لاستنباط أحكام النوازل باتفاق الجميع، فلا تزال هنالك مسافة كبيرة بين واقع هذه المؤسسات والمأمول منها.
10 -ظهرت في هذا العصر صور جديدة للتقليد والاستفتاء، ومن أبرزها: -التقليد من خلال الهاتف، والفاكس، والتلفزيون، والإذاعة، والكاسيت، والكتب المطبوعة، والصحف، والمنشورات، والإنترنت بقنواته المختلفة، كالمواقع الإلكترونية، والمنتديات، والمراسلات الإلكترونية المباشرة، وغير المباشرة، وغرف البالتوك وغيرها، ومن تأمل واقع الناس وجد أن أغلبهم يعتمد على هذه الوسائل في معرفة الأحكام والحلال والحرام، وأن الحاجة إليها في هذا الباب في تزايد مستمر، وعليه يمكن القول بأن التقليد من خلالها جائز من حيث المبدأ إذا توفرت الضوابط الشرعية المتعلقة بالمفتي والمستفتي والوسيلة، وذلك لأن الشريعة حين أباحت تقليد العامي للمفتي لم تحدد لذلك وسيلة توقيفية، بل جعلت ذلك موكولًا إلى ما يتعارف عليه الناس من الوسائل الآمنة، وبما أن الوسائل الحديثة هي أدوات هذا العصر، وقد ثبت بالتجربة كونها مفيدة ونافعة فيجوز الاعتماد عليها في التقليد قياسًا على الوسائل التي تعارف عليها المتقدمون، من نقل الثقة، والخط، والكتابة، لأن حصول الظن بالوسائل الحديثة كحصوله بتلك الوسائل، ولأن القول بجواز التقليد من خلالها يؤدي إلى الرفق بالناس، والتيسير عليهم، ورفع الحرج عنهم، وهو مقصد شرعي مهم.
وقبل الختام لابد لي أن أشير إلى أن هذا الموضوع ما يزال بحاجة إلى المزيد من الدراسات والبحوث المستفيضة، فهذا البحث المختصر لا يعدو أن يكون لبنة يجب أن تتلوها لبنات، وقد حاولت من خلاله أن أسلط الضوء على هذه المسألة المهمة، وأن ألفت أنظار الباحثين إليها، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت في ذلك، واستغفره سبحانه عما وقع فيه من الخطأ والزلل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين.