ويبدو أن مضمون هذا المقولة كان مسيطرًا تماما على أبي العلاء؛ فنجد من أقواله ما يفيد إمرة الشعراء للكلام وتصرفهم فيه وما يفيد أيضا أن للشعر خصائصه العامة، وصنعته المستقلة [1] ، وأن لكل شاعر خصائص أسلوبية معينة [2] .
وانطلاقا من هذا الكلام نقول: إن أبا العلاء كان لا يخطِّئ أبا تمام في
(( انحرافاته ) )أو (( عدولاته ) )أو (( خروجاته ) )الأسلوبية. ودائما يحاول أن يلتمس له مخرجا من السماع [3] فإن لم يجد فمن القياس؛ فإن لم يجد فاستعارة [4] يحملها عليها؛
(1) يُنْظَر [3/ 40ب27] ، [4/ 564ب5] ، وقال أبوالعلاء في بعض المواضع: (( ويقال إنه كان مع أبي تمام غلام يقال له: علاثة، فيجوز مثل ذلك. وقد يحتمل أن يفتعل الشاعر أسماء لغير موجودين؛ فيستعين بها في القافية وحشوالبيت ) ). [1/ 311ب1] ، وقال أيضا عند قول أبي تمام:
وَظِلالِهِنَّ المُشرِقاتِ بِخُرَّدٍ ... بيضٍ كَواعِبَ غامِضاتِ الأَكعُبِ [بحر الكامل]
(( جعل الظِّلال مشرقات؛ وإنما الإشراق للشموس، وهذا من صنعة الشعر؛ لأنه وصف الظلال بما توصف به الشموس ) ) [1/ 94ب4] .
(2) قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
إِحدى بَني بَكرِ بنِ عَبدِ مَناهِ ... بَينَ الكَثيبِ الفَردِ فَالأَمواهِ [بحر الكامل]
(( ولوقال قائل: إنه سماهم بني عبد مناه بهاء أصلية؛ أخذه من: ناه ينوه؛ إذا انتشر ذكره؛ لكان ذلك وجها قويا، وهوأحسن ما يحمل عليه البيت؛ لأن الشعراء يسمح لهم بتغيير الأسماء إلى ما قاربها، كقولهم في ثابت ثَبات، وفي جَمْش جَمُوش ) ) [3/ 344ـ 345ب1] .
تراجع جزئية: قرينة أسلوب الشاعر، وقرينة صنعة الشعر.
(3) حتى ولوكان هذا السماع مجرد اتباع شاعر آخر في لفظة واحدة:
قال أبوالعلاء عند قول أبي تمام:
بدور قُيولٌ لَم تَزَل كُلُّ حَلبَةٍ ... تَمَزَّقُ مِنهُم عَن أَغَرَّ مُحَنَّبِ [بحر الطويل]
(( ويروى: (( ذَوونَ قُيولٌ ) )، وهوجمع قولك: ذومَرْحَب، وذوجَدَن، وذويَزَن، وذلك في حمير كثير، وهم الأذواء، وقلما يقولون الذَّوون، وإنما تبع الطائي في ذلك الكُمَيت؛ لأنه قال:
وَمَا أعنِي بِذلك أَسفَليكُم ... وَلَكِنِّي عَنيْتُ بِهِ الذَّوينَا [بحر الوافر]
)) [ديوان أبي تمام:1/ 154، ب25] ، وينظر أيضا في نفس الجزئية: [1/ 256ب47] ، [3/ 59ب1] ، كما تراجع جزئية: السماع عند أبي العلاء.
(4) يُنْظَرُ ديوان أبي تمام بشرح التبريزي: [2/ 227ب15] ، [2/ 257ب8] .