الحق والباطل في قلبك. وفرقان الوجود؛ فرقان الحق والباطل في الوجود؟ {يَوْمَ الْفُرْقَانِ} في الجهاد، يأتي الجهاد فيفرق الناس، الجبان والشجاع، الكافر والمؤمن والمنافق، ولذلك في الحديث: الناس فسطاطان.
{وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ} ما معنى لقضي الأمر؟ ممكن المفسر يقول: لقُضي الأمر أي أقمنا الحجة كاملة. هل معنى لقُضي الأمر أي لحُسم البلاغ؟ هل معناها لو أنزلنا ملكًا لكان في وجوده البلاغ التام الذي تنقطع به حجة الكافرين؟ لا، اذهب لسورة الفرقان حتى تعرف {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا} وهنا الله -عز وجل- ما رد على قولهم: {نَرَى رَبَّنَا} بالرغم من أن بني إسرائيل في البقرة سألوا، لكن الله -عز وجل- ما رد عليهم هنا استخفافًا بالطلب، وهذه طريقة القرآن في معالجة المعاندين، يصدمهم، يقول لهم: {سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ} . النبي - صلى الله عليه وسلم - لما مرَّ على كفار قريش وهم يستهزئون به قال؟ قال: (لقد جئتكم بالذبح) [1] قالوا:"ما عهدناك سفيهًا يا محمد أو ما عهدناك هكذا".
هذا كل الذي أقوله لكم له أسماء في علم البلاغة، ولكن أنا أفصله لكم تفصيلًا مناسبًا، مثلًا لما قلنا {الْحَمْدُ لِلَّهِ} قلنا إن أعظم ما في السورة مطلعها، وهذا يسمى في علم البلاغة: (حُسن الاسْتِهلال) .
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} ما هو الحِجر؟ الجُحر؛ ولذلك سمي العقل حِجرًا {لِذِي حِجْرٍ} ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه، والحِجر لأنه يختفي فيه، فلما رأوا الملائكة قالوا: ليت لنا مكانًا نختبئ فيه. فهذا الذي يفسر الأمر، لو أنزلنا ملكًا عليهم سيكون هذا يوم دمارهم ويوم هلاكهم، لقُضي الأمر هنا {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} .
(1) حسنهُ الألباني في صحيح الموارد: (1404) .