الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيد المرسلين وإمام المتقين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغرّ الميامين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وجعلنا الله -عز وجل- وإياكم منهم، آمين.
أما بعد؛
مازلنا مع مطلع السورة الجليل، كأنه يفتح لك عظمة المتكلِّم، معانٍ عظيمة لمّا تفتَتِح هذا الكلام {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} .
لم يخلقها فقط وتركها على حال واحدة؛ بل نوّع فيها أحوالها، وقال: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، وبعد هذا يفجأنا القرآن بأن هنا من ينكر هذا، فبعد هذه العظمة وهذا الجلال وهذا النور الذي يغشى القلوب وتدركه العقول بتميُّز ووضوح وبتنوّعُ الخطاب في قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ثم يفجأنا مُستَبعِدًا بقوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
كلمة"رب"موطنها من هذا السياق موطن عظيم، تستفزُّ كل قذارات الوجود من أجل أن تُلقيها على من كفر به؛ لأن كلمة"الرب"هذه تستطيع أن تضع تحتها أجلَّ ما يقال من الكلمات التي تدل على الرعاية والعناية، وتدل على العطاء والكرم، فهو الذي أوجدك، وهو الذي رزقك، وهو الذي أعطاك وهو الذي منحك، فتأمل موضع كلمة"ربّهم": {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} ؛ وكأنك حتى تتذوق هذا السياق تأمل رجلًا يحدث رجلًا آخر عن أبيه، عن أمه، ثم يكفي أن تقول له هذه الكلمة -وهو ينكر نعمة والديه عليه-:"ثم تفعل هذا بأمك؟ ثم تفعل هذا بأبيك؟"، يكفي. أو أن يكون رجلًا من عليك بالعطاء فتقول:"ثم تفعل هذا بهذا الرجل؟".