الصفحة 63 من 277

فكلمة"الرب"هنا إنما هي كلمة كما أنها بيَّنت عظمة الرَّب في قوله: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، وبيّنت عظمة الله فيها، بعد ذلك كأن الله في القرآن يريد أن يقول: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} ، يريد أن يبيِّن خِسَّة هؤلاء وحقارتهم فيما يقابل ما أعطاهم الله من النِّعم، هذا مع تأمّلك لقوله تعالى: {ثُمَّ الَّذِينَ} ،"ثم"هذه التي قلنا عنها شيئًا مما يعرفه العرب وانها تدل على الاستبعاد، {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يُستبعد منهم هذا ولكنهم وقعوا فيه، قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ} .

تأملت القرآن أيها الإخوة، في أعظم آية فيها أجلُّ ما يقال عن الحبيب، وما هي آية فيها مدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإذا هي مَطلع الوجود، بعد هذه المقدمات القرآنية في سورة البقرة في حال الناس وتنوّعهم، ثم خَلْق السماوات والأرض، من أجل أن يشرح بداية الخلق ووجود الإنسان، قال سبحانه: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} ، مع أن الحديث كلّه يدور حول الإنسان وليس عن النبي بخصوصه، ولو لم يكن هناك مقصد لربنا لكان الخطاب مُبتدأً بقوله:"وإذا قال ربكم"؛ لأنه حديث عنك أيها الإنسان، لأنه حديث عن جنس الإنسان، لكن لما كان أجلُّ ما في الوجود من الإنسان وأعظم ما في الإنسان هو رسولنا؛ كان الخطاب إليه، فكأن الوجود كله لم يكن مقصودًا في وجود هذا الإنسان إلا بإظهار عظمة هذا الذي قال له: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} ، كأنّ الوجود غير موجود، كأنّ الإنسان غائب ولم يبقَ إلا شخص واحد هو رسولنا - صلى الله عليه وسلم - يقول له: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} ، والمقصود هو الإنسان، ولكن لمّا كان الإنسان هو فقط في كمالاته وفي عبوديّته كلُّه مختزلًا في شخص النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ} .

وهنا يقول الله -عزّ وجل-: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ؛ العَدْل هو لا بد من وجود شيئين، ولذلك العرب تقول على شِقَّيّ ما يُحمل على الدابة"عِدْل"، ولا أدري هل ما زالت تُستخدم إلى اليوم أم لا، ولكن العرب كانت تستخدمها إلى قريب، يقول:"عِدل الدابة"، عِدلها هو الشِّق الثاني منها، فالعَدْل لا يكون إلى في توازي شيئين يُقابل أحدهما الآخر، ولذلك العَدل هو أن تأتي بالشيء وأن تضع مقابله ما يعدله، فعندئذٍ يقال عدل، وأن تُقيم العدل أي أن تحكم على المُحِقّ بأنه مُحق، وعلى المُبطِل بأنه مبطل، والآخذ بأنه آخذ، وعلى المظلوم بأنه مظلوم؛ أي أعطيت الشيء ما يوازيه. وتُطلق -وهذا من جمال

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت