الصفحة 64 من 277

العربية- على الانحراف، حين تقول:"عَدَل عن الطريق"؛ أي أخذ ما يوازيها، قد يكون عدل عنها بحق، وقد يكون عدل عنها بباطل، فإنك تنحرف إلى ما يقابلها، سواء من أفكار عدل عن هذه الفكرة، كان هذا يمشي إلى هذا الشق فمشى إلى غيره فعدل عنه، فكانت الكلمة دالَّة على أمرين في معناها.

والقرآن -وهذا شيء عجيب- يُطلق الكلمة الواحدة في معنييها، على ما يظهر في هذين المَعنَيَيْن من التَّضادّ، في وقت واحد كل واحد منهما يدل على الحق. فنحن قلنا:"عدل"أي أقام العدل أي الحق، و"عدل"انحرف قد يكون انحرف عن الحق مطلقًا أو انحرف عن الباطل.

فهل هذه الكلمة {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ، هل هي على المعنى الأول؛ أي أقاموا عِدلًا له مساويًا له؟ أم أنها عل المعنى الثاني؛ أي انحرفوا عن الحق؟ هذه الكلمة شاملة للمعنيين، فقوله -سبحانه وتعالى-: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} على المعنى الأول أي جعلوا لله -عز وجل- مساويًا، هذا المعنى الأول، فعدلوا أي أقاموا له عدلًا مساويًا من غير حق، فهو الذي خلق، وهو الذي جعل، وهو الذي أوجد، وهو الذي ربّى، فأعطى ومنح وأحيا وأمات، ثم جاء هؤلاء الكفرة فجعلوا لله -عز وجل- عدلًا أي جعلوا له مساويًا، قال: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ؛ أي يُقيمون له مساويًا.

والمعنى الثاني: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} ؛ كان ينبغي أن يسيروا في الاتجاه الصحيح عندما علموا أن الله الذي خلق، وأن الله -عز وجل- هو الذي ربّى، كان ينبغي أن يسيروا على الجادّة في عبوديتهم له، ولكنهم انحرفوا فعدلوا عن الحق.

فقوله -سبحانه وتعالى-: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} يحتمل هذين المعنيين، وقوله: {يَعْدِلُونَ} تأتي بمعنى يشركون، ما معنى الشريك؟ أن تجعل له ندًّا مساويًا بأن تنسب صفة لا تليق إلا به لغيره، كما قالوا:"اللات والعزّى"، اللات هي انحراف عن اسم الله"الله"، انظروا إلى التشابه: قال تعالى: {وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ} ما اللحد؟ الإمالة، تعرفون القبر اللحد ماذا يعني فيه؟ الإمالة، فالعدل هو الإمالة، ولذلك اللحد هو الشرك، والعدل أن تجعل له في باب الألوهية هو الشرك، فماذا كانوا يلحدون؟ كانوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت