يسمون آلهتهم بأسماء الله، ولكنهم كانوا يلحدون فيها اسمًا، كما يلحدون فيها صفة، فالعزّى هي إلحادٌ في اسم الله العزيز، ومناة هي إلحادٌ في اسم الله المنّان، فهي إلحاد في أسماء الله -عز وجل- لأنها دالة على الإلحاد في صفات ربنا -سبحانه وتعالى-.
فقوله: {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} على ماذا تُطلق؟ هل هو العدل في نسبة الخلق لغيره؟ هل هو العدل أي الظلم أو الانحراف في نسبة صفات الخلق لغيره؟ أم أن الأمر أجلّ؟ الأمر أجلّ، وعلماء التفسير الذين يهتمون بمثل هذه المسائل كما ذكر ابن القيم في هذا الموطن، ذكر في (طريق الهجرتين) كلامًا جميلًا، قال:"ليس المقصود في هذا العدل نسبة صفات الربوبية إلى غيره -جلّ في علاه- لكن المقصود هو العدل هنا في صرف أعمال الألوهية لغيره"، ما الفرق بينهما؟ الذي أشرك في الربوبية كما قالوا له الولد، فهذا شرك في ربوبيته لأنه واحد، فليس له ولد وليس له زوجة، هذا شرك في ربوبية الله، الذين جعلوا له مشاركًا بنات كما قال المشركون، كما سمّوا الملائكة بنات الله، فهذا كله من شرك الربوبية. ولكن الشرك الأعظم وهو مبني على هذا الشرك وهو شرك الإلهية في أن تصرف عملًا من أعمال العبودية لغير الله.
هذا هو التوحيد؛ التوحيد هو ألا تعمل عملًا من أعمال الألوهية مثل الدعاء التي يدخل تحتها الصلاة والاستغاثة، مثل الصوم هذه كلها من أعمال النُّسُك، لا يجوز أن تصرفها لغير الله، من أعمال الإلهية ألّا تحب إلا ما يحب الله، وهذا هو الولاء والبراء، وألا تبغض إلا ما يبغض ربنا -سبحانه وتعالى-، هذا من أعمال الإلهية، من أعمال القلوب التي يجب أن تصرفها لله، ومن أعمال الإلهية التي يجب أن تصرفها لله ألّا تخضع لشريعة غير أمره ونهيه.
{ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} صار عندنا توحيد وهو توحيد فعل الرب وصفاته -جل في علاه-، هذا هو توحيد الربوبية، أن تقول أنه لا خالق إلا الله، فقد نسبت له ما يجب عليك أن تنسبه له، وهذا هو من فعله دون فعل سواه، وحين تقول عن الله -عز وجل-: المحيي الرزّاق المميت، فهذا هو توحيدك بمعنى أن