الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الخلق وسيد المرسلين وإمام المتقين حبيبنا وإمامنا وسيدنا وقائدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى وتقى إلى يوم الدين، جعلنا الله -عزَّ وجلَّ- وإياكم منهم، آمين.
ما زلنا أيها الإخوة الأحبة مع مطلع السورة في قوله -جل في علاه-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} .
وقلنا بأن هذه السورة هي إحدى خمس سور فقط افتُتحت بالحمد لربنا. وقلنا بأن الحمد في مطالع السور اشتمل على أمرين: أولًا على الخلق والإيجاد، واشتمل ثانيًا على التنزيل والأمر والنهي. وهذا شامل للوجود؛ فما الوجود إلا خلق وأمر كما قال -سبحانه وتعالى-: {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ} ، فالله -عزَّ وجلَّ- هو خالق كل شيء فله الحمد لما خلق، وله الحمد لما شرع، وشرعه خير الشرائع.
وقال -سبحانه وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} في هذه السورة، وفي سورة سبأ قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ} ، وفي سورة فاطر قال: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ، فاشتملت هذه السور الثلاثة على قضية خلق السموات والأرض، في أنه خَلَقَها وأنه مَلَكَها. فقوله -سبحانه وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ} فإن الشيء قد يصنع الصِّنعة ثم لا يمكلها، وتخرج عن سيطرته وعن ملكه. ولكن ربنا -سبحانه وتعالى- خلق السموات والأرض وبقي هذا الخلق العظيم الذي قال الله -عزَّ وجلَّ- فيه: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} فخلقه وملكه.
لكن ما الفرق بين قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} وقوله في فاطر: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؟ نحن إلى الآن نقول: هذا خبز فطير، يقابله الخبز الخمير. وكما يقولون هذا في