الماديات: هذا شيء فطير وهذا شيء خمير، ويقولون في الأفكار كذلك والكلمات، فالناس يقولون هذا رأي خمير؛ بمعنى قد اختمر وتداوله الناس وامتحنوه ومحَّصوه، بخلاف الرأي الفطير أي الذي خرج بداهة القول، الآن خرج فقط.
ولا شك أن الرأي الخمير خير من الرأي الفطير. وكلمة (فَطَرَ) تُطلق أيضًا على الفطرة؛ والفطرة أصل الخَلْق وأوَّلُه. والناس يُسمُّون الطعام الأول الذي يأكلونه الإفطار؛ لأنه أول ما يفعلونه من الطعام، فالفَطْرُ هو أول الشيء في تكوينه، وحين يكون الشيء في أول تكوينه يكون على غير مثال سابق، فقد يخلُق الخالق خلقه والله خير الخالقين، يجوز على الصواب أن تقول:"فلان خَلَق"على وجه المجاز. ولكن إذا خلق المرء خلقًا فإما أن يكون على مثال سابق، مثل أن يأتي إلى صورة جميلة فيقول له أريد أن تخلق هذا الحجر على هيئة هذا المثال، فهذا خلق.
ولكن الفَطْر يكون على غير مثال سابق؛ فهو أصل الشيء، إذًا لم يكن قبله شيء، فالله -عزَّ وجلَّ- فاطر السموات والأرض، فلما خلقها أوجد مادتها، بخلاف من يخلق من البشر فإن المادة موجودة، الحجر بين يديه ينقشه ثم يحوله إلى شيء آخر (إلى صورة) . ولكن الله لما خلق السموات والأرض خلقها من غير مادة سابقة، وخلقها على غير مثال من الصورة السابقة.
ولذلك الفطر أبلغ من قوله خلق، مع أن الخلق فيه الكمال بخلاف الفطر -على ما ذكرناه-، من قولنا رأي فطير ورأي خمير؛ فالخلق أتمُّ في الكلام، والفطر أجَلُّ في القوة والقدرة.
ولذلك هذه السور الثلاثة اشتملت على هذا الأمر العظيم {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ} ، وقلنا بأن الفاتحة شاملة لكل محامد القرآن، بل لكل محامد الوجود.
والحمد الثاني: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} فهو حمد لشرعه، فربنا محمود لما خلق على أي جهة من الخلق؛ بكون هذا الخلق من الفطرة، وبكونه على الكمال والتمام، وبكونه مملوكًا له -سبحانه وتعالى-. فهو شامل لما تتم به المحامد ويقع عليه الحمد في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، وكلمة (رب)