شاملة لكل ذلك؛ فهو الذي خلق، وهو الذي رزق، وهو الذي ملك. فلذلك قوله -سبحانه وتعالى- في الفاتحة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ} هذه شاملة لهذه الكلمة من الخلق، وشاملة لكلمة الفطر، وشاملة لقوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} .
الآن هذا الحمد لا ينتهي، ولذلك لا يستطيع أحد أن يثني على الله كما أثنى ربنا على نفسه؛ لأن الحمد من العبد كما قال الشافعي في أول (الرسالة) وهو يمر على أن الحمد بسبب النعمة فيقول -وهذا معنى كلامه وكلامه جزل عظيم-، يقول: بأن الحمد لا يكون إلا على نعمة، وحمدك لله -عزَّ وجلَّ- نعمة، وهذه النعمة من حمدك لربك تحتاج إلى حمد، فهو حمد لا ينتهي منك، ويسبقه نعمة تستحق الحمد.
ولذلك أنت لا تبلغ حمد الله -عزَّ وجلَّ- على التمام والكمال أبدًا، مهما حمدت الله فلا يمكن أن يبلغ حمدك لله ما يستحق من المحامد.
وربنا -سبحانه وتعالى- هو الذي يعلم كمالات نفسه، وقدرته جل في علاه، ونحن لا نعرف الكيفية، بل إننا لنعجز في مرات كثيرة أن نعرف القدرة، {هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ} ؟، إبراهيم -عليه السلام- وقد قال - صلى الله عليه وسلم - كما في الصحيحين: (نحق أحق بالشك من إبراهيم إذ قال {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى} ) [1] . فنحن لا نعرف شيئًا من قدرة الله إلا ما أظهره لنا، ولذلك قال -سبحانه وتعالى-: {فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ} ؛ هذا المطر أثر من رحمة الله، الزرع أثر من رحمة الله، ولكن هل يمكن لك في عقلك القاصر الضعيف أن يستوعب رحمة الله؟
إذا كانت كل الرحمات في الوجود مما يتصرف به الخلق ممن وُضعت في قلوبهم الرحمة هي جزء من مائة جزء من رحمة ربنا، فإن الدابة ترفع رجلها عن ابنها لئلا تطأه هذه من رحمة الله، وتثني نفسها على ابنها هذه من رحمة الله، وتقوم الأم في الليل على بكاء طفلها من رحمة الله، منذ أن خلق الله آدم إلى أن تفنى
(1) صحيح البخاري: (4537) ، صحيح مسلم: (151) .