بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.
كنا مع قوله تعالى: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} .
مِن تذوُّقنا للكلام أنّ (كَتَب) أو (الكتاب) تجمع معنى قرأ والقراءة، مع أن القراءة تقع على الكتاب، لكنّ المعنى الذهني لقرأ وكتب واحد عند العرب؛ لأن كتب بمعنى جمع، ومنه أُخذت (الكتيبة) ، يُقال الكتيبة لأن فيها اجتماع أشخاص، فكَتَبَ جَمَعَ، لأنه يجمع حرفًا وراء حرف وكلمة وراء كلمة، وقرأ بمعنى جمع ومنه أُخذت (القُرء) لأنه يجتمع فيه دم الحيض، فقرأ مادّتها المعنويَّة نفس مادّة معنى كتب. والقراءة تقطع على الكتابة وهذا من شرف هذه اللغة، أن الفعل يقع متّحدًا بين شيئين فيكون المعنى واحدًا ويُعبَّر عنه بلفظين كلّ منهما يدلّ على الحالة التي هو فيها. فكتب لما يقع من الكتابة من العلم، وقرأ تقع لما يقع من الكتابة على الفعل.
فقوله -سبحانه وتعالى-: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} ، أريد عند كلمة (قرطاس) أن أفتح بابًا مهمًّا جدًّا، وهي ما تسمى اليوم"الشخصيّة"، كلمة لم تكن تُستخدم عند الأوائل لكن لا بأس أن نستخدمها اليوم للتعبير عن سمات الإنسان، الشخصية أُخذت من الشخص وهو الشّاخص أي الشيء المرتفع، لأن الإنسان إذا ارتفع بدا شخصه فهو شاخص. ولكن اليوم صارت تُعبّر عن مادّته الظاهرة ومادّته الباطنة، شخصيته بمعنى مكوّناته المادية في بدنه، ومكوناته العلمية والذهنية والنفسيّة. ويجوز أن نستخدم هذا اللفظ عند وصفنا للسورة.