القرآن في مُجمله له معنى عام تستطيع أن تُدرك مراميه، وكذلك السورة لها شخصيّتها، وعليك أن تتذوّق هذا بجمع ما تقرأ من السورة الواحدة. السورة الواحدة لها شخصيّة، هذا مدخل لنعلم كيف تُرتّب الكلام في السورة الواحدة ليبدو لك متناسقًا، وهذا من مفاتيح فهمنا لكلام ربنا وتمتُّعنا به وتذوّقنا له، وانفعالاتِ إراداتنا للإقبال على ما يأمر والانتهاء عمّا نهى، هذا.
كلمة (يعدلون) هنا تكرّرت مرة ثانية في سورة الأنعام. وكلمة (قرطاس) معناها أولًا؛ قَرْطَسَ بمعنى قَطَعَ، والكتاب يُسمّى قرطاسًا لأنه يُقطَّع، قديمًا كان يوضع الكتاب بأن يأتوا بالورق فيقطّعونه ويجمعونه، فيُسمّى كتابًا لما يُجمع أرواقه بعضها فوق بعض، ولكن قبل عمليّة جمع أوراقه تُقطّع أوراقه، فتقطيع الأوراق يُسمى القرطاس، لأنها من فعل قرطس الشيء أي قطعه.
وأنا أعطيكم منفذًا من منافذ اللغة العربية سريع، وهذا أغلبيّ وليس كليًّا، إذا جئت إلى كلمة وليس لديك معجم من معاجم اللغة مثل (لسان العرب) ، (القاموس المحيط) ، وذهب عنك معنى كلمة قرِّبها إلى ما يُمكن مما تعرفه من الكلمات في التركيب تكون قريبة من المعنى، وهذا من شرف هذه اللغة. فلو سألتك ما معنى واصبًا؟ {وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا} ؟ قرّبها ناصبًا أقرب ما تكون، الصاد يجب أن تُبقيها لأنها مقصودة فتقرّبها واصبًا إلى ناصبًا، فالنّاصب هو القائم، نصبتُ الشيء أقمته فواصب قائم، وهكذا. هذه تستطيع أن تستخدمها أن تُقارب هذا اللفظ بلفظ تعرفه فيجتمع كمعنى إن غاب عنك، وإلا فالأصل أن تذهب إلى المعاجم.
قوله: {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ} أي أنه جُمع جمعًا حتى صار على هيئة ما يُعرف، وقال بعضهم: القرطاس هو الذي يُجمع فيه الكتاب أي الدَّفتَّان، والصواب أنه نفس الكتاب، ولكنه قد يكون مكتوبًا في أوراق متناثرة، ولكن أن ينزل في قرطاس أن ينزل مجموعًا مُقطّعًا مُرتّبًا يستطيعون أن يقولوا هو كتاب ولا ينكرونه.