الصفحة 31 من 277

فإذًا الحمد يشمل كل شيء، وما من شيء في الوجود إلا وهو دال على عظمة الله التي توجب الحمد، ثم إن عاقبة كل شيء ومصير كل شيء إليه؛ فهو مستحق الحمد لأن كل شيء يعود إليه -جل في علاه-: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} .

لذلك قالوا أن هذا الحمد الذي في سورة الفاتحة يستغرق المحامد كلها، فلو قال قائل أين ما قاله الله -عزَّ وجلَّ-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ} ، أين هي في سورة الفاتحة؟ لأنه {الرحمن الرحيم} ، وأنزل على عبده الكتاب ليميز بين المسلم والكافر، كي تكون عاقبة المؤمن في الجنة، وتكون عاقبة الكافر في النار، فهو {مالك يوم الدين} .

لذلك ما من حمد في القرآن إلا وهو مستوعب في الحمد داخل الفاتحة، والله -عزَّ وجلَّ- حمد نفسه في السموات والأرض، حمد نفسه لأنه أنزل الكتاب، حمد نفسه -جل في علاه- لأنه أعطى، وحمد نفسه في هذه السورة -سورة الأنعام- في الآية خمسين: {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ} ، هذه هي نتيجة الخصام ونتيجة الفصل بين المؤمن والكافر في الدنيا، أن قضى الله بينهم بأن نصر المؤمن على الكافر، وبهذا استحق الحمد {وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .

بينّا الفرق بين الحمد والشكر، وقلنا أن الحمد أوسع مقتضى وأضيق آلة، والشكر أوسع آلة وأضيق مقتضى؛ فما هو المدح؟

الفرق بين الشكر والحمد والمدح يقوم على عمادتين:

العمادة الأولى: أن المدح يقوم على الظن، فيمكن أن يمدح المرء شيئًا لا يستحقه؛ ولذلك قالوا أن المدح يقوم على الظن.

والشيء الثاني أن المدح يكون لما لا إرادة له. فلا يصح أن أقول: أنا حمدت الجوهرة، ونقول: أنا مدحت الجوهرة، وهو مدح المسجد.

فالمدح يكون جائزًا فيما يقوم على الظن، ويكون جائزًا فيما لا إرادة له، ونحن ما زلنا مع {الحمد لله رب العالمين} ، وبهذا أختم، بارك الله فيكم، وجزاكم الله خيرًا، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت