ولذلك قالوا الحمد أوسع مقتضى، بمعنى أن الذي أوجب الحمد أوسع. ما الذي أوجب الحمد؟ أوجبته صفات الجمال والجلال، وصفات الكرم والعطاء، بخلاف الشكر، فإن الشكر لا يكون إلا على ما أنعم عليك، لكن الشكر أوسع آلة فالحمد لا يكون بالعمل.
لذلك قالوا: الشكر أوسع آلة وأضيق مقتضى، والحمد أوسع مقتضى وأضيق آلة.
فهذا الفرق دقيق، ويمكن للعبد أن يستخدم الشكر مكان الحمد؛ ولكن البلغاء لا يقبلون هذا، ويضعون الحمد في موطنه، ويضعون الشكر في موطنه.
لهذا فالأعظم بالنسبة لربنا وما يفرحه هو أن تحمده؛ لذلك لا يوجد كلمة في ديننا وفي سنة رسولنا أعظم من كلمة الحمد حتى أنها نافست عند أهل العلم كلمة التوحيد!
أبو عمر بن عبد البر أنشأ مناظرة: ما الأفضل أن تقول؛ الحمد لله أم تقول لا إله إلا الله، مع أن كلمة"لا إله إلا الله"لا يمكن لأحد أن يدخل الجنة إلا بها، ومع ذلك فجلال كلمة"الحمد"في نظر العالم قد بهره نورها حتى صارت منافسة لكلمة التوحيد، فهذه الكلمة العظيمة استغرقت الوجود كله، هذه الكلمة العظيمة كما أنها ملأت الميزان فهي استغرقت الوجود كله: افتتح الله -عزَّ وجلَّ- الوجود بالحمد، ومضى هذا الوجود بالحمد، وخاتمته بالحمد.
فالله قال الحمد لله في الأولى والآخرة في سورة سبأ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} ، قوله فيها: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ} ، وقوله في سورة القصص: {لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ} ، {وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} .
ويُفتتح الحمد ليشمل الوجود في سورة الفاتحة:
انظروا إلى قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} ، فهو محمود لأنه ربهم، والرب هو الموجد الخالق وهو الرازق الذي منه الإمداد والعطاء، ولا استمرار إلا بمدد وعطاء منه فهو ربنا، وهو المحيي وهو المميت، فهو رب العالمين، فحُمد لأنه رب العالمين، وحُمد -جل في علاه- بـ {الحمد لله رب العالمين} لماذا؟ حُمد لأنه {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ، {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} .