الصفحة 49 من 277

وأعظم الأوامر ورودًا، إذا وردت على هذه الصيغة؛ لأنها تدل على الوقوع قدرًا، كما أنها تدل على وجوب الوقوع شرعًا؛ مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا أقبل الليل من ههنا -أي: من جهة الشرق-، وأدبر النهار من ههنا -أي من جهة الغرب- فقد أفطر الصائم) [1] ، وما قال:"فليُفطر"، لم يأمره. قال: (فقد أفطر الصائم) ، والمقصود بذلك أنه يقول له: افطِر في هذا الوقت. لكن لماذا جاء هذا الأمر، وهو قوله: (افطر) بصيغة الخبر: (فقد أفطر) ؛ لأنه دالٌ على الأمر ابتداءً.

ثانيًا: هو يدل على أنه مفطر، سواءٌ أكل أو لم يأكل. فإنه إذا أقبل الليل من ههنا -من جهة الشرق-، وأدبرت الشمس -أي النهار- من ههنا، من جهة الغرب؛ فلو أن المرء صام بعدها، لا يُعد صيامه شيئًا؛ لأنه قد أفطر، فهو مأمورٌ شرعًا، وهو واقعٌ قدرًا. فدل على أن الأمر، إذا جاء بصيغة الخبر هو أجلُّ أنواع الأمر؛ كقوله -عزَّ وجلَّ-: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} ، والمقصود: حُجُّوا في الأشهر المعلومات. لكن لما كان هذا لا يجوز وقوعه إلا في وقته، دل على أنه أمر، ودل على أنه لا يجوز أن يُوقَع إلا في هذه الأوقات، وهي الأشهر المعروفة أشهر الحج.

هاتان النقطتان، أمر عليهما عند قوله -تعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي} ؛ هذا الذي، كلمة {الَّذِي} يقول أهل العلم: هو اسم موصول، يدل على ما قبله، يعني:"الله هو"، وهذا عندما يُذكر، إنما يُذكر للجلال؛ فإذا فُصل بين الذات وبين فعلها، إنما دل على التعظيم، كقولك:"خالد هو الرجل"، يسمونه هنا هذا ضمير الفصل، وكذلك يسمونه ضمير الاختصاص؛ بمعنى أنه يفصل بين حالةٍ وحالة ويفصل بين المبتدأ والخبر، ولكنه كذلك أعظم من ذلك، يدل على أن الرجل هو خالد، ودونه إنما يركض من أجل تحصيل ما فيه.

فلما قال -سبحانه وتعالى-: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ} ؛ دل على أنه لم يخلق إلا الله، لم يخلق السماوات ولم يعاونه في خلقها أحد؛ فدل على أن هذا الذي ذُكر، إنما من أجل بيان اختصاص الخالق، بهذا الفعل الذي بعده.

ذكرنا قوله -سبحانه وتعالى- {خَلَقَ} ، وبيَّنا الفرق بينها وبين"فاطر"، وقلنا إنه يجوز في اللغة أن يُستخدم هذا اللفظ في بعض معانيه، وهذه مسألةٌ علمية؛ أولًا: لا يوجد شيء على جهة الانفراد في هذا الوجود، كل شيء مُركَّب، حتى الذرة مركبة، حتى أصغر شيء في المادة هو مركب، والمعاني مركبة، بمعنى أن الحب

(1) صححهُ الألباني في صحيح الجامع: (364) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت