الصفحة 297 من 551

يروى لنا أنك قلت شيبتني سورة هود وأخواتها فما الذي شيبك منها فقال: قوله { فاستقم كما أمرت } وإذا كان الضلال ترك الطريق المستقيم عمدا كان أو سهوا ، قليلا كان أو كثيرا ، صح أن يستعمل لفظ الضلال ممن يكون منه خطأ ما ولذلك نسب الضلال إلى الأنبياء وإلى الكفار ، وإن كان بين الضلالين بون بعيد ، ألا ترى أنه قال في النبي صلى الله عليه وسلم { ووجدك ضالا فهدى } أي غير مهتد لما سيق إليك من النبوة . وقال في يعقوب { إنك لفي ضلالك القديم } وقال أولاده: { إن أبانا لفي ضلال مبين } إشارة إلى شغفه بيوسف وشوقه إليه وكذلك { قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين } وقال عن موسى عليه السلام { وأنا من الضالين } تنبيه أن ذلك منه سهو ، وقوله { أن تضل إحداهما } أي تنسى وذلك من النسيان الموضوع عن الإنسان . والضلال من وجه آخر ضربان: ضلال في العلوم النظرية كالضلال في معرفة الله ووحدانيته ومعرفة النبوة ونحوهما المشار إليهما بقوله { ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } وضلال في العلوم العملية كمعرفة الأحكام الشرعية التي هي العبادات ، والضلال البعيد إشارة إلى ما هو كفر كقوله على ما تقدم من قوله { ومن يكفر بالله } وقوله { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله قد ضلوا ضلالا بعيدا } وكقوله { في العذاب والضلال البعيد } أي في عقوبة الضلال البعيد ، وعلى ذلك قوله { إن أنتم إلا في ضلال كبير } - { قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل } وقوله { أئذا ضللنا في الأرض } كناية عن الموت واستحالة البدن . وقوله { ولا الضالين } فقد قيل عني بالضالين النصارى وقوله { في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى } أي لا يضل عن ربي ولا يضل ربي عنه أي لا يغفله ، وقوله { كيدهم في تضليل } أي في باطل وإضلال لأنفسهم . والإضلال ضربان ، أحدهما: أن يكون سببه الضلال وذلك على وجهين: إما بأن يضل عنك الشيء كقولك أضللت البعير أي ضل عني ، وإما أن تحكم بضلاله ، والضلال في هذين سبب الإضلال .

والضرب الثاني: أن يكون الإضلال سببا للضلال وهو أن يزين للإنسان الباطل ليضل كقوله: { لهمت طائفة منهم أن يضلوك وما يضلون إلا أنفسهم } أي يتحرون أفعالا يقصدون بها أن تضل فلا يحصل من فعلهم ذلك إلا ما فيه ضلال أنفسهم وقال عن الشيطان { ولأضلنهم ولأمنينهم } وقال في الشيطان: { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا } - { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا } - { ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت