كذب هؤلاء استحقوا ما استحقه أولئك من عذاب الاستئصال.
وهذا المعنى مذكور في كتب التفسير والحديث وغيرها من كتب المسلمين، وهو معروف بالأسانيد الثابتة عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فقد ذكر أهل التفسير ما رواه الأعمش عن جعفر بن أياس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال حتى يزرعوا، قال فقيل له: إن شئت تستأني بهم وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا هلكوا كما هلكت الأمم من قبلهم. قال: بل أستأني بهم، فأنزل الله هذه الآية {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} وروى ابن أبي حاتم وغيره عن مالك بن دينار قال: سمعت الحسن البصري في قوله {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ} قال: رحمة الله لكم أيتها الأمة أنا لو أرسلنا الآيات فكذبتم بها أصابكم ما أصاب من قبلكم، وقد كانت الآيات يأتي بها محمد صلى الله عليه وسلم آية بعد آية فلا يؤمنون بها قال تعالى {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ} إلى قوله {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} إلى قوله {ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} أخبر سبحانه بأن الآيات تأتيهم، {وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ} وأنهم بتكذيبهم الحق سوف يرون صدق ما جاء به الرسول كما أهلك من قبلهم بذنوبهم التي هي تكذيب الرسل، فإن الله يقول {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا} الآية،وأخبر بشدة كفرهم بأنه لو أنزل عليهم كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا لسحر مبين ...الآيات. بين سبحانه أنه جعل الرسول ملكا لجعله على صورة الرجل، إذ كانوا لا يستطيعون أن يروا الملائكة في صورهم، وحينئذ فكان يقع اللبس لظنهم الرسول بشرا لا ملكا. وقال تعالى {وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} إلى قوله {لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا} . وهذه الآيات التي اقترحوها لو أجيبوا بها ثم لم يؤمنوا أتاهم عذاب الاستئصال كما تقدم. وأيضا هي مما لا يصلح الإتيان به، فإن قولهم {حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا} يقتضي