تفجير الينبوع بمكة فيصير واديا ذا زرع، والله من حكمته جعل بيته بواد غير ذي زرع لئلا يكون عنده ما ترغب النفوس فيه من الدنيا فيكون حجهم للدنيا لا لله، وإذا كان له جنة من نخيل وأعناب يفجر الأنهار خلالها تفجيرا كان في هذا من التوسع من الدنيا ما يقتضي نقص درجته وانخفاض منزلته، وكذلك إذا كان له بيت من زخرف، والزخرف الذهب. وأما إسقاط السماء كسفا فهذا لا يكون إلا يوم القيامة، وهو لم يخبرهم أن هذا لا يكون إلا يوم القيامة، فقولهم:"كما زعمت"كذب عليه، إلا أن يريدوا التمثيل فيكون القياس فاسدا .. وأما الإتيان بالله والملائكة قبيلا فهذا لما سأل قوم موسى ما هو دونه أخذتهم الصاعقة، قال تعالى {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ} الآيتين.
وأما إنزال الكتاب فقال تعالى {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ} الآية. بين سبحانه أن أهل الكتاب سألوا إنزال كتاب من السماء وأن المشركين سألوا ذلك، وبين سبحانه أن الطائفتين لا يؤمنون إذا جاءهم ذلك، وإنما سألوه تعنتا. فقال عن المشركين {وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ} وذكر عن أهل الكتاب أنهم سألوا موسى أكبر من ذلك وهو رؤية الله جهرة، فهم مع هذا نقضوا الميثاق وكفروا بآيات الله وقتلوا النبيين بغير حق إلى أمثال ذلك، وأنه بسبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله حرم الله عليهم طيبات أحلت لهم. فكان في هذا من الاعتبار لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن هذه الأمة المكذبة الذين لا يهتدون إذا جاءتهم الآيات المقترحة التي اقترحوها لم يكن في مجيئها منفعة لهم، بل فيها ما يوجب عقوبة الاستئصال إذا جاءتهم فلم يؤمنوا بها وتغليظ الأمر عليهم، فكان أن لا ينزل مثل هذه الآيات الموجبة عذاب الاستئصال أعظم رحمة وحكمة، وقد عرض الله على محمد صلى الله عليه وسلم أن يهلك قومه لما كذبوه فقال: بل أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا، كما في الصحيح عن عائشة أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم:"هل أتى عليك يوم أشد عليك من يوم أحد؟"فقال:"لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة،"