ويريدون به إفراد أعمال الحج، وذلك رد منهم على من قال إنه قرن قرانا طاف فيه طوافين وسعى فيه سعيين، وعلى من يقول إنه حل من إحرامه. فرواية من روى من الصحابة أنه أفرد الحج فهم ثلاثة: عائشة وابن عمر وجابر. والثلاثة نقل عنهم التمتع، وحديث عائشة وابن عمر أنه تمتع بالعمرة والحج أصح من حديثهما عنه أ،ه أفرد الحج، وما صح من ذلك عنهما فمعناه إفراد أعمال الحج أو أن يكون وقع فيه غلط كنظائره.
فإن أحاديث التمتع متواترة رواها أكابر الصحابة كعمر وعلي وعثمان وعمران ابن الحصين، بل رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم بضعة عشر من الصحابة والله أعلم. قلت: وهذا الكلام من أحسن ما يجمع لك بين الأحاديث في هذا الباب، وبه يتفق معناه.
عدنا إلى سياق حجته صلى الله عليه وسلم. ولبد رسول الله رأسه بالغسل، وهو بالغين المعجمة على وزن كفل، وهو ما يغسل به الرأس من خطمي ونحوه يلبد به الرأس حتى لا ينتشر، وأهل في مصلاه، ثم ركب على ناقته فأهل أيضا، ثم أهل لما استقلت به على البيداء. قال ابن عباس: وايم الله لقد أوجب في مصلاه، وأهل حين استقلت به ناقته، وأهل حين علا شرف البيداء. وكان يهل بالحج والعمرة تارة، وبالحج تارة، لأن العمرة جزء منه، فمن ثم قرن وقيل تمتع، وقيل أفرد. ثم لبى وأمر الصحابة بأمر الله أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية. وكان حجه على رحل، لا في محمل ولا هودج ولا عمارية.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم خير أصحابه عند الإحرام بين الأنساك الثلاثة: القران، والتمتع الخاص، والإفراد. ثم ندبهم عند دنوهم من مكة إلى فسخ الحج والقران إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي، ثم حتم عليهم عند المروة.
وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة محمد بن أبي بكر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم وتهل، ففي هذه ثلاث سنن: غسل المحرم، وأن الحائض تغتسل لإحرامها، وأن الإحرام يصح من الحائض. ثم سار رسول الله ولزم تلبيته والناس يزيدون فيها وينقصون منها وهو يقرهم ولا ينكر عليهم، فلما كان بالروحاء رأى حمار وحش عقيرا فقال:"دعوه فإنه يوشك أن"