ولذلك يقول ابن المبارك في كتابه الزهد -وهو كتاب رائع-، يقول أخبرنا سفيان ابن عيينة عن ابن شبرمة قال: أبصر بن مسعود -رضي الله عنه- تميم بن حذلم [1] ساكتًا، وابن مسعود يحدث القوم، فقال ابن مسعود: يا تميم، انظر هذه وصية وهذا تنبيه وهذا تعليم له- يا تميم إن استطعت أن تكون أنت الْمُحدَّث فافعل، إن استطعت أن تكون في كل مجلس أنت الْمُحدَّث ولست الْمُحدِّث، لأنك لما تحدث الناس -أي حاجة تقولها أنت مسئول عليها أمام الله -عزَّ وجلَّ-، ما من عبد يخطب خطبة إلا الله سائله عنها يوم القيامة، ما الذي أردت بها؟ هل أردت بها وجه الله، أم حدثت بها رياء وسمعة، وهل طبقت ما بها، أو قلت ولكنك لا تفعل، إذًا لا بد هذه أسئلة ينبغي أن يكون عنده الجواب، لكن إذا كنت الْمُحدَّث فيقيم عليك الحجة فقط، يقيم عليك من جهة واحدة، فلذلك قال له إن استطعت أن تكون أنت الْمُحدَّث فافعل، يعني أنت تكون مُحدَّث، وهذا الأثر له طرق، فيه كلام ولكن له طرق، والصحيح أنه حسن، وقد غلط من قال بأن الأثر ضعيف. ولذلك سيأتينا -إن شاء الله- آثار أنهم كانوا يحثون أبنائهم وطلبتهم أن يجالسوا أهل العلم، وأهل الفضل، وأهل الخير، ويجالسون من يستفيدون منه، أما إذا كنت لا تستفيد منه فلا تجلس معه، ونحن عندنا في المغرب مثل يقول:"من لا يعلمك فرضًا أو سنة؛ اتركه وتهنى"، هكذا يقولون، وأحد شيوخنا -حفظه الله تعالى- لا زال على قيد الحياة يقول:"من خالط مقروطًا قرطه الله"، يعني إذا كان واحد لا تستفيد منه إلا قلة حياء، وإلا قلة أدب، ثم الغيبة، والطعن في أعراض الناس، ولمز الناس، ولصق التهم بالناس، فهذا يستأصل أخلاقك.
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي.
والله تعالى أعلم، ونقف هنا، وغدًا نتابع -إن شاء الله-، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(1) تم تصحيحها إلى حذلم، فالشيخ قالها جدلم سهوًا.