إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، بلغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، حتى أتاه اليقين من ربه، وتركنا على مثل البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، أما بعد؛
فنستأنف اليوم دورة الآداب، أي آداب الطالب مع شيوخه، وتعلمون أن العلماء قد ذكروا في كتب المصطلح آدابًا لطالب العلم مع شيوخه، وآداب أخرى مع والديه، وإخوانه، وأزواجه، وأبناءه، وأصهاره، وزملائه، وأصدقائه، آداب على حسب الشخص، وآداب أخرى غيرها، كما ذكروا آدابًا للشيخ أيضًا مع طلبته وتلامذته، فمن ذلك ما ورد -على وجه الاختصار-: التملق في الطلب لشيخك. هذه النقطة التي نتحدث عنها اليوم، التملق في الطلب لشيخك؛
ونعني بالتملق: التودد والتلطف مع شيخك ومعلمك، ولا نعني به النفاق، يعني إياك ومجادلته بوقاحة، وقلة أدب، بل كما يفعل كثير من الإخوة للأسف في عصرنا، يأخذ عن الشيخ درسًا أو درسين ثم يبدأ في تقصيبه والطعن فيه، ويذكر عجره وبجره، وصدق بعض شيوخنا قال: من أراد عدوًا من حينه فليعلم طالب بلحيته. وهذا ليس قانونًا يصار عليه، وفي مثل هذا يقول حبر الأمة وبحرها عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-:"ذُللت طالبًا؛ فعززت مطلوبًا". وهذا كلام ينبغي أن يكتب بماء الذهب، بل بسواد العين. ذللت طالبًا فَعُزِّزتُ مطلوبًا، يعني عندما كان طالبًا يطلب العلم، كان يتذلل ويتملق لشيخه، ويتأدب معه، ولا يجادله بقلة أدب، بل كان يحسن إليه، ويرفق به، فلما مات شيخه وشيوخه أصبح عزيزًا لأنه أصبح إمام عصره.
وهذا معاذا بن جبل -رضي الله عنه- يقول:"ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم". يعني المؤمن ليس من أخلاقه أن يتملق لأحد أو يتذلل لأحد، ما عدا في طلب العلم، لأنه إذا تذلل في أول الطلب فسيصير عزيزًا مرفوعًا بعد أن يموت أشياخه ويتصدر الفتوى والتدريس، فيصبح إمامًا يشار إليه بالبنان، فعلمه سوف يرفعه، وكما قالوا كثير من الناس ثيابه ترفعه، لكن أهل العلم يرفعهم العلم، حتى قال قائل ثيابك ترفعك قبل