جلوسك، وعلمك يرفعك بعد جلوسك، والله -عزَّ وجلَّ-: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} ، يعني يُرفع درجات على المؤمن، ولولا العلماء لصار الناس كالبهائم.
وقد ورد في فضائل العلم والعلماء مئات من الأحاديث ولعلنا نتطرق إليها في غير هذا الدرس. إذًا فمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- يقول:"ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم". وطبعًا أنتم تعلمون أن الملق والتملق والتأدب مع الشيوخ مطلوب، حتى يستطيع الشيخ أن يعطي، ويخرج علمه، ولذلك يقولون قال رسول الله -يرفعون هذا الأثر، ولكنه لا يصح مرفوعًا، وقد ذكر الشيخ الألباني -رحمه الله- في السلسلة الضعيفة، وفي ضعيف الجامع أن هذا لا يصح، أما في السلسلة الضعيفة فحكم عليه بالوضع وكذا في ضعيف الجامع، وذكر أيضًا غير واحد كما ورد في الجد الحثيث، وذكره حتى الشيخ الألباني- قال: (ليس من أخلاق المؤمن أو من خلق المؤمن التملق ولا الحسد إلا في طلب العلم) . فإن الحسد مبدأ الحقد، لكن في العلم لا بأس أن يكون هناك حسد، ولكن المراد بالحسد هو الغبطة، أن تتمنى لو كنت عالم مثله، ولكن دون أن تتمنى زوال النعمة، يعني أن يزال منه العلم، وتصبح أنت عالم وهو جاهل، لا، الحسد الذي هو الغبطة هذا مشروع، أنتم تعلمون أن العلماء قديمًا وحديثًا كانوا يقولون بأن الحسد في طلب العلم لا بأس، والتنافس في طلب العلم لا بأس، والتملق في طلب العلم لا بأس، وهذا طبعًا موقوف وليس مرفوعًا.
وهذا شعبة -أنتم تعلمون أن شعبة أمير المؤمنين في علم الحديث، إذا ذكر أهل الحديث تصطك ركب العلماء، تصطك ركب المحدثين، لأنه كان قصابًا وكان لا يسكت إذا رأى منكرًا أو رأى وضَّاعًا أو كذابًا أو متروكًا، وكان يفضحه، ولذلك عدة مرات ترجوه أن يسكت، وألا يذكر على بعض الرواة شيئًا فقال ديني لا يسمح لي أن أسكت. هذا شعبة، قال الثوري: مات علم الحديث بموت شعبة. هو الذي يقول -لاحظوا-:"من كانت عنده أربعة أحاديث -يعني إذا كان هناك شيخ له أربعة أحاديث- فأنا خادمة". وفي رواية أنه قال: فأنا عبده، وفي رواية أخرى قال: كل من سمعت منه حدثنا فأنا له عبد. المراد بالعبودية لله عز وجل ولكن المقصود بها الرق، كأنه رق، يعني يتواضع معه، يتواضع مع شيخه، ومع شخص شيخه، ويتذلل له، ويتملق له، وألا يقلل عليه الحياء، وألا يرفع صوته في محضره، وألا يناديه باسمه يا فلان، بل ينبغي أن يناديه دائمًا بشيخنا، أو بسيدنا، أو إلى غير ذلك كما نص على ذلك العلماء.