يعني الإنسان يكون قصده أن ينشر دين الله -عزَّ وجلَّ- وقصده الوصول إلى الحق وقصده أن يظهر الحق ولو على لسان خصمه، ولذلك قال ما كلمت أحدًا قط إلا أحببت أن يُوفق ويُسدد ويُعان وتكون عليه رعاية من الله وحفظ، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبالي بين الله الحق على لساني أم لسانه، أي على لسانه، لا يبالي، الهدف هو الوصول إلى الحق، الوصول إلى الحق سواء جاء على لساني أو جاء على لسان خصمي، التجرد عن الذات، فلا يكون دائمًا يريد الحق أن يظهر على لسانه، وأما الذي يظهر على لسان غيره هو الباطل، لا هذا غير صحيح. فينبغي ألا يجعل بينه وبين الحق حجاب، دائمًا يكون الحق هو هدفه، وهو مقصوده الأول، وإلا فالجدال والمخاصمة والحوار والمناظرة كلها لغير هذا لا تجوز، إذا كان يجادل ويخاصم من أجل الباطل هذا حرام، لكن إذا كان يجادل ويخاصم بالتي هي أحسن ويناظر ويحاور من أجل الوصول إلى الهدف فهو مأجور حتى ولو أخطأ، ويبني أمره على ماذا؟ لما يكون هذا هو هدفه يبني أمره على النصيحة لدين الله تعالى، وعلى النصيحة للذي يجادله أيضًا ليرجع إلى الحق، هذا لأنه يكون أجمع في الدين، مع أن النصيحة واجبة لجميع المسلمين، والصحابة -رضوان الله تعالى عليهم- كانوا عند المبايعة يبايعون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أثرة عليه، والنصح لكل مسلم، ولذلك يقول جرير بن عبد الله: بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم.
وكان الشافعي يحلف ويقول ما ناظرت أحدًا إلا على النصيحة ويقسم على ذلك، يقول لا يكون هدفه أن ينتصر عليه من أجل الانتصار أو يجادله من أجل الجدال أو ليُقال بأن فلان غلب فلانًا، وإنما كان يحلف ويقول والله ما ناظرت أحدًا إلا على النصيحة، النصيحة لدين الله تعالى، والنصيحة للذي يجادله، ومرة قال: ما ناظرت أحدًا فأحببت أن يخطئ، سبحان الله، يعني عندما يناظر الشافعي أحدًا يدعو الله -عزَّ وجلَّ- ألا يخطئ، وأن يسدد رميه، أن يسدد رأيه، أن يوفقه وأن يعينه، هذا هو الإخلاص، هذا هو الصدق. يعني لا يدعو مسبقا قبل مناظرة أحد أن يصيب هو ويخطئ مناظره، هذا ليس عدلًا، ولذلك الإنسان دائمًا عندما ينصح أحدًا تكون النصيحة سرًا ولا تكون علانية من أجل هذا إذا كان مثلًا على باطل ممكن يرجع إذا كانت النصيحة بينك وبينه، لكن إذا كان الناس يلتفتون إليه وهو ربما ينفخ فيه الشيطان فلا يرجع عن باطله إلى الحق فيبقى يصر على باطله.