الصفحة 235 من 247

ولذلك حكى الأصمعي أن الخليفة هارون الرشيد قال له وقرنا في الملأ، -وقرنا لما نكون مع الجماعة، لما نكون أمام الناس وقرنا-، وعلمنا في الخلاء، الخلاء ليس المقصود منه الخلاء لقضاء الحاجة، لا، يعني لما نكون وحدنا منفردين ولا يوجد أحد، تكون نصيحة، ولذلك الشافعي يقول لما تنصح الإنسان بينك وبينه فقد نصحته ووازنته وزينته، لكن عندما تنصحه علانية فقد فضحته، لا تكون نصيحة ولكن تكون فضيحة، ولذلك قال له وقرني في الملأ، وعلمني في الخلاء.

حتى أن سفيان قال قلت لمصعب تحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ -يعني يأتي واحد يقول لك عيوبك: هذا الذي عندك هذا الذي عندك، السلف كانوا يقولون رحم الله من أهدى إلينا عيوبنا فكانوا يفرحون بذلك، لكن هذا لما سُئل- قال أنحب أن يخبرك رجل بعيوبك؟ قال:"أما أن يجيء إنسان فيوبخني بها فلا"، يأتي يقول أنت يا فاعل يا تارك فعلت كذا، يا شارب يا كذا، قال لا، وأما أن يجيء ناصح فنعم، يأتي واحد ناصح لله -عزَّ وجلَّ- وتلاحظ منه بأنه ناصح، ولذلك تجد كثير من الملوك والسلاطين غالبًا لما يأتي أناس ينصحوهم تجدهم يعني يبكون ويتأثرون، وبعضهم لما يأتون لينصحوهم يقتلوهم، لأن هذا يكون هدفه الشهرة والتشهير فقط، ولا يكون عنده الإخلاص والصدق، ولذلك غالبًا يُقتلون أو يسجنون، أقل أحوالهم أنهم يسجنون أو يعذرون ويؤدبون، وفي بعض الأحيان القتل، ولذلك قال إذا جاء ونصحني أقبل، أما إذا جاء ووبخني بذنوبي فلا أقبل.

وهذا عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- كان يقول:"كان الرجل إذا رأى من أخيه ما يكره؛ أمره في ستر، -يعني أمره مخبأ، لا يقول له علانية-، أمره في ستر ونهاه في ستر، -يعني أمره ولكن بينه وبينه، لا يعلم بذلك أحد إلا الله، يقول له هذا ينبغي أن تفعل كذا وألا تفعل كذا، يأمره وينهاه-، أمره في ستره فيؤجر في ستره ويؤجر في نهيه، يؤجر في أمره يعني في الستر ويؤجر في نهيه، فأما اليوم فإذا رأى أحد من أحد ما يكره استغضب أخاه وهتك ستره". يعني يبدأ ينصحه علانية وأنت فعلت وأنت كذا وأنت كذا ويعدد عيوبه، هذه ليست النصيحة في الدين أبدًا، نعم قال العلماء يمكن أن يكون هذا مستساغًا إذا كان من باب {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} ، أو إذا كان الذي يُنصح علانية لا يقبل النصيحة سرًا، أو إذا كان قد نشر بدعًا في الكتب وصارت بها الركبان، هذا لا بد أن تبين بدعته وأخطاءه وغلطاته وزلقاته، حتى لا يظن الناس أن هذه الغلطات حق، ولأن العلماء سكتوا عن غلطاته، فإذًا لا بد من البيان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت