الصفحة 39 من 247

لا تتقدم خطوة حتى تعرف ماذا قال الله في هذه المسألة، وماذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واعلم أن ما من حركة تفعلها، وما من كلمة تتلفظ بها إلا وتُسأل عنها، {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ، {وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} ، {فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا} ، قال بعض المفسرين: الصغيرة: هي البسمة، إذا تبسمت على أخيك، والكبيرة: الضحكة، حتى هذه تُسجل. وقال الله -عزَّ وجلَّ-: {يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ} ، ويقول -سبحانه وتعالى- في آيات كثيرة، {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} ، طائرة يعني المراد به الكتاب، ويقال له: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} ، {يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ} ، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا} ، ماذا يقال لها؟ {الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} .

فالسلف كانوا لا يخطبون خطبة إلا أعدوا لها جوابًا، ولا يقولون كلمة إلا ويعلمون أنها تراقب ويحاسب عليها وتسجل عليه. فكذلك نحن ينبغي أن نقف عند الدليل. أن نكون وقَّافين عند الأدلة، وعند الآثار، ولذلك قال الثوري -رحمه الله تعالى- إن استطعت ألا تحك رأسك إلا بأثر فافعل، يعني ابحث، حتى بعض السلف قال ينبغي أن يكون واحد من الصحابة أو من السلف الصالح أن تجعله قدوتك، تقرأ سيرته جيدًا، وتتقنها، وتعرف ماذا يحب وماذا يكره، وكيف يقف عند الدليل، وكيف يعبد الله، وكيف يقوم الليل، وكيف يتورع، وكيف، وكيف، فاجعله قدوتك، وقدوتك العظيم هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} ، {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، وهكذا.

إذًا فما من حركة إلا وتسأل عنها، ولذلك قال الخطيب البغدادي: ينبغي لطالب الحديث -وليس هذا لطالب الحديث فحسب، ولكن كل طالب العلم، ولكن طالب الحديث أكثر- ينبغي لطالب الحديث أن يتميز في عامة أموره، عن طرائق القوم، وذلك باستعمال آثار رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-. يعني يتميز ما أمكنه ويوظف السنن على نفسه، ويحاول ما أمكن أن يطبق ذلك، ويحاول ما أمكن أن يستحضر دائمًا قول الله -عزَّ وجلَّ-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} ، ويحاول ما أمكن أيضًا أن يقتدي بشيخه الفاضل، ولذلك يقول الإمام مالك:"كانت أمي تعممني، -يعني تضع له العمامة، وتقول له اذهب إلى ربيعة"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت