معاذ بن جبل -رضي الله عنه-،"ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم"يعني ليس من أخلاق المؤمن أن يتملق لأحد إلا في طلب العلم. في طلب العلم هل يجوز له أن يتملق لشيخه؟ الجواب: نعم، ماذا نعني بالتملق؟ التودد والتلطف، هذا هو المقصود بالملق، التودد والتلطف مع شيخه، حتى إذا سأله يحسن السؤال، ويكون رفيقًا في سؤاله حتى إذا كان شيخه وقع في زلة.
أذكر أن ابن العربي ذكر قصة رائعة ولعلها ستأتينا إن شاء الله ولكن لا بد أن أشير إليها للشاهد فقط، أحد المحدثين يُشار إليه بالبنان، رجل يعني جبل نفخ فيه روح، من أهل الحديث، إمام من الأئمة وجهبذ كبير، كان يحدث بحديث فغير اسمًا، وابن العربي قال هذا خطأ، ولكن قاله بينه وبين نفسه، لم يقم في وسط الطلبة ويقول له أيها الشيخ أخطأت، لا، تركه حتى انفض المجلس وذهب إليه وقال يا شيخنا ويا سيدنا، هذا من الأدب، يا شيخنا لعل السند وقع فيه سهو، قال كيف؟ قال فلان عن فلان، لأن بين فلان كذا وكذا، وفلان مات قبل أن يُخلق فلان، فالرجل قال سأرجع إلى الأصل، قال راجع الأصل ولعل من حدثك أخطأ، ولم ينسب الخطأ لشيخه، فلما ذهب إلى أصله وجد القول كما قال ابن العربي، فبينما هو في الدرس الثاني يريد أن يبدأ الدرس وإذا بابن العربي يدخل وهو شاب، فماذا قال الشيخ؟ سبحان الله، يعني ليس بينهم وبين الحق حجاب، يبحثون عن الحق أين كان، ولا يستحيون أن يرجعوا إلى الحق إذا نُبهوا إليه، فقال مرحبًا بشيخي، من هو شيخه؟ تلميذه، مرحبًا بشيخي ومعلمي، فالناس بدئوا ينظرون وإذا بهم لا يرون شخصًا كبير السن ولكنهم يرون طفلًا صغيرًا أو شابًا صغيرًا، فتًا يافعًا، مرحبًا بشيخي، إلى هنا، فقدمه وأجلسه إلى جنبه، قال حتى استحيا، وقال لهم لا تتعجبوا هذا شيخي ومعلمي، البارحة قلت لكم كذا وكذا، اعلموا واشهدوا أني قد أخطأت وهذا الشيخ هو الذي نبهني إلى خطئي، وسيأتينا -إن شاء الله- أمثلة من هذا كثير، أمثلة كثيرة، يعني السلف كيف كانوا يرجعون إلى الحق، وستأتي أيضًا قصة بن وهب مع الإمام المالك، لما أفتى الإمام مالك بعدم تخليل أصابع الرجلين، وتركه حتى انفض المجلس وذهب إلى مالك -رضي الله عنهم جميعًا- فقال له يا شيخنا، ما رأيك في حديث فلان، قال فلان ثقة، وفلان؟ قال ثقة، وفلان؟ قال ثقة، قال هل رويت عنه شيئًا، قال نعم، وذكر له حديث تخليل أصابع الرجلين، فقال هذا حديث حسن، فقال سمعته بعد ذلك يفتي به، هذا هو الأدب، لا يستحي أن يرجع إلى الحق، بل إذا أخطأ يرجع إلى الحق، فرجع الإمام مالك إلى الحق.